شهد مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي لعام 2019 لحظة لافتة في تاريخ السينما الكويرية، حين حاز الفيلم التشيلي EL PRÍNCIPE (الأمير) على جائزة الأسد الكويري المرموقة، التي تُمنح سنويًا لأفضل فيلم يعالج قضايا الميم-عين (LGBTQ+) ضمن فعاليات المهرجان.
تسلم الجائزة مخرج الفيلم سيباستيان مونيوث Sebastián Muñoz، في أول مشاركة سينمائية روائية طويلة له كمخرج، وسط إشادة نقدية واسعة بأداء الفيلم وجرأته الفنية وسرده الإنساني لتجربة كويرية نادرة الحضور في السينما اللاتينية.
قصة “الأمير”: الحب والهوية خلف القضبان
تدور أحداث فيلم EL PRÍNCIPE في السبعينات السياسية المضطربة في تشيلي، قبل الانقلاب العسكري مباشرة، ويركز على قصة “جيمي”، شاب في العشرين من عمره يُزجّ به في السجن بعد ارتكاب جريمة غامضة. خلف القضبان، يبدأ جيمي في اكتشاف نفسه وهويته من خلال علاقة عاطفية وجنسية تنشأ بينه وبين نزيل أكبر سنًا يُلقب بـ”البورتو” (El Potro)، أحد السجناء ذوي السلطة والنفوذ في العنبر.
الفيلم مقتبس عن رواية صدرت في السبعينيات تحت الاسم ذاته، كتبها ماريو كروز (Mario Cruz)، وتمثل إحدى أوائل الأعمال الأدبية التشيلية التي تناولت التجربة المثلية من زاوية نفسية وسوسيولوجية عميقة.
جائزة الأسد الكويري: رمزية الانتصار لتمثيل التنوع
تُمنح جائزة الأسد الكويري Queer Lion سنويًا منذ عام 2007 لأفضل فيلم في مهرجان فينيسيا يعالج مواضيع مرتبطة بالمثلية أو الهويات الجندرية غير النمطية. وقد سبق أن فازت بها أفلام بارزة مثل A Single Man لتوم فورد، وPhilomena، وThe Favourite، مما يعكس حرص المهرجان على دعم حضور وتمثيل مجتمعات الميم في السينما العالمية.
ويُعد فوز فيلم “الأمير” إنجازًا تاريخيًا للسينما التشيلية ولصوت السينما الكويرية في أمريكا اللاتينية، حيث قلما تحظى هذه القضايا بحضور علني ومباشر.
كويرية السجن: الحب، العنف، والنجاة
يعيد الفيلم طرح السجن كمكان مزدوج؛ فضاء للقمع والعنف، لكنه قد يتحول أيضًا إلى ملاذ لاكتشاف الذات والعواطف المكبوتة. عبر تصوير دقيق للمشاعر البشرية، يرصد الفيلم التحولات التي تطرأ على البطل، من الانكار إلى القبول، من التبعية إلى القوة، ومن العزلة إلى الحب.
تمت الإشادة بأداء الممثلين، ولا سيما أداء الممثل خوان كارلوس مالدونادو بدور “جيمي”، والذي جسد تعقيدات الشخصية ما بين الطفولة والرجولة، الضعف والرغبة، الذنب والتحرر.
أهمية الفيلم في السياق الثقافي والسياسي
يأتي “الأمير” في وقت تواجه فيه مجتمعات الميم في أمريكا اللاتينية تحديات جسيمة، من جرائم الكراهية إلى التمييز المؤسساتي. وقد صرح مخرج الفيلم مونيوث أن العمل لا يسعى فقط لتصوير العلاقة المثلية بل لإلقاء الضوء على علاقة السلطة، الجنس، والهوية داخل بنى مجتمعية مغلقة.
وفي حديث له قال:
“أردتُ تقديم قصة عن الحب في مكان لا يُسمح فيه للحب بأن يوجد. عن أجساد تُجرد من حريتها، لكن لا تزال تملك شغفها وحقها في الرغبة.”
خطوة نحو سينما أكثر شمولًا
يُعد فوز فيلم “الأمير” بجائزة الأسد الكويري رسالة قوية بأن القصص الكويرية تستحق أن تُروى، وتُكرّم، وتُحتفى بها. في عالم لا يزال يفرض الصمت على الكثير من الهويات، تشكل هذه الأعمال فرصة ثمينة لإعادة كتابة السرديات، ليس فقط في السينما، بل في المخيلة الجمعية أيضًا.