شمس

تونس: القضاء ينتصر لحرية التنظيم ويسمح لجمعية شمس بمواصلة نشاطها رغم دعوى الحكومة

في خطوة بارزة نحو تعزيز الحريات العامة وحقوق الأقليات الجنسية في تونس، أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا يقضي بأحقية جمعية “شمس” في مواصلة نشاطها، رافضة دعوى قضائية تقدّم بها المكلف العام بنزاعات الدولة للمطالبة بحل الجمعية. وتُعد “شمس” من أبرز الجمعيات التونسية المدافعة عن حقوق مجتمع الميم (المثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والعابرين والعابرات جندريًا).


جمعية شمس: الدفاع عن الحقوق رغم الاستهداف المتكرر

تأسست جمعية شمس – من أجل إلغاء تجريم المثلية الجنسية في تونس في مايو 2015 كمنظمة غير حكومية، مسجلة قانونيًا لدى السلطات التونسية. وتهدف الجمعية إلى:

  • رفع الوعي المجتمعي حول قضايا التوجه الجنسي والهوية الجندرية.
  • الدفاع عن حقوق أفراد مجتمع الميم في تونس.
  • المطالبة بإلغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية التونسية الذي يُجرّم العلاقات المثلية.

رغم شرعيتها القانونية، تعرضت الجمعية منذ تأسيسها لسلسلة من الضغوطات القانونية والإدارية والإعلامية، ترافقت مع حملات تشويه وتحريض، خاصة من أطراف محافظة ترى في نشاط الجمعية “مساسًا بالقيم الإسلامية”.


المسار القانوني للنزاع بين الدولة وجمعية شمس

تسلسل الأحداث:

  • يناير 2016: تقدمت رئاسة الحكومة بشكوى عبر الكاتب العام، أسفرت عن قرار قضائي بتعليق نشاط الجمعية لمدة شهر.
  • فبراير 2016: محكمة تونسية قضت بأن الجمعية لا تخالف القوانين المعمول بها، ورفعت قرار التعليق.
  • فبراير 2019: عاد المكلف العام بنزاعات الدولة (محامي الدولة) لرفع دعوى جديدة لحل الجمعية نهائيًا.
  • مايو 2019: أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا يقضي برفض الدعوى وتمكين الجمعية من الاستمرار في عملها القانوني.

استندت المحكمة في حكمها إلى أن الجمعية تمارس نشاطها في إطار ما يكفله الدستور التونسي من حريات تنظيمية وتعبيرية، خصوصًا بعد الثورة.


الدستور التونسي والحريات: حماية قانونية أم ازدواجية في التطبيق؟

يُعتبر الدستور التونسي لسنة 2014 من أكثر الدساتير تقدمًا في المنطقة فيما يخص الحريات والحقوق الفردية. فقد نص في فصوله على:

  • حرية التعبير والتنظيم (الفصل 31).
  • حظر التمييز (الفصل 21).
  • حماية الكرامة والحرية الجسدية (الفصل 23).

لكن ما زالت قوانين مثل الفصل 230 التي تجرّم العلاقات الجنسية المثلية، تُستخدم من قبل بعض الأطراف لملاحقة الأفراد بناءً على ميولهم الجنسية، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية محلية ودولية تناقضًا صارخًا بين نص الدستور والتطبيق العملي.


جمعية شمس: في وجه الريح… مستمرة

بعد صدور الحكم، صرّح مسؤولو جمعية شمس بأن القرار يمثل انتصارًا قانونيًا مهمًا لحرية التنظيم والعمل المدني، ورسالة واضحة مفادها أن تونس تسير نحو احترام التعددية وحقوق الإنسان.

كما دعت الجمعية إلى الاستمرار في النضال من أجل إلغاء القوانين التمييزية، وضمان الحماية القانونية لأفراد مجتمع الميم من العنف والكراهية.

انفوجراف

ردود الفعل: إشادة حقوقية وانتقادات محافظة

قوبل الحكم بترحيب واسع من منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان”، التي اعتبرته نموذجًا ينبغي أن يُحتذى به في المنطقة العربية.

في المقابل، أثار القرار موجة من الجدل في بعض الأوساط المحافظة، التي رأت فيه تهديدًا “للنسيج الأخلاقي والديني” في البلاد، وهو جدل يعكس الاستقطاب العميق في المجتمع التونسي بين تيارين: أحدهما حداثي يدعو لتوسيع الحريات، وآخر محافظ يسعى لفرض قيود على الحقوق الفردية.


المساواة ليست خيارًا بل حق

يُعد الحكم القضائي لصالح جمعية شمس محطة أساسية في مسار طويل نحو الاعتراف القانوني والحقوقي بمجتمع الميم في تونس. وهو تأكيد على أن القضاء يمكن أن يكون سندًا للحريات، حتى في مواجهة ضغوط سياسية أو مجتمعية.

يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق الانسجام بين النصوص الدستورية والقوانين الجنائية، وإنهاء كل أشكال التمييز ضد الأقليات الجنسية، لكي تتحقق المساواة الفعلية لجميع المواطنين والمواطنات دون استثناء.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.