ياسمين تيكتوك

إخلاء سبيل ياسمين تيكتوك: قضية تكشف ملامح القمع الممنهج ضد النساء الترانس في مصر

في تطور جديد لقضية صانعة المحتوى المعروفة باسم «ياسمين تيكتوك»، أخلت جهات التحقيق، يوم الأربعاء 13 أغسطس 2025، سبيلها بكفالة مالية قدرها 5 آلاف جنيه، بعد أيام من حبسها على خلفية اتهامها بـ«الرقص بملابس خادشة للحياء» و«انتحال صفة أنثى» عبر حسابها على تيك توك.

وزارة الداخلية المصرية كانت قد أعلنت في بيان رسمي توقيفها بعد تلقي عدد من البلاغات ضدها، زاعمة أنها «طالب» ينتحل صفة فتاة بهدف زيادة المشاهدات والأرباح، وهي صياغة تكررت في عشرات العناوين الإعلامية التي تعاملت مع القضية باعتبارها «فضيحة» أخلاقية وجندرية.

خلال أقل من 18 ساعة من نشر البيان الأمني، تحولت القضية إلى مادة إعلامية مكثفة، تجاوزت 50 خبرًا وتقارير منشورة على مواقع إخبارية عربية ومصرية، بعضها نشر 4–5 مواد منفصلة أعادت صياغة نفس الرواية الرسمية مع عناوين مثيرة مثل «ذكر متنكر»، «طلعت راجل»، و«قناع ياسمين».

النتيجة لم تكن مجرد نقل معلومة، بل صناعة موجة كراهية رقمية ضخمة استهدفت النساء الترانس ومجتمع الميم/عين عمومًا، تضمنت أكثر من 100 منشور وفيديو وميم حملت سخرية، إهانات، وتحريضًا مباشرًا أو إيحائيًا على العنف.

الحملة الأمنية الأوسع: «السلطوية الأخلاقية» في الممارسة

قضية ياسمين ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في حملة أمنية مستمرة منذ 2020 ضد صانعي المحتوى الرقمي، وخاصة النساء والفئات المهمشة.

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وثّقت استهداف أكثر من 151 شخصًا في 109 قضايا على الأقل، بالاستناد إلى المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي تجرّم «الاعتداء على القيم الأسرية» بصياغة فضفاضة تتيح للأمن والنائب العام استخدامها لقمع حرية التعبير.

هذه الحملة تتسم بانتقائية واضحة؛ إذ تستهدف نساءً من خلفيات اقتصادية محدودة حققن دخلًا من المنصات الرقمية، بينما يُستثنى من يمتلكون امتيازات طبقية أو شهرة فنية.

يقود الموجات محامون مغمورون يستخدمون الشعبوية وسلاح «الأخلاق» كأداة للشهرة والتربح، من خلال بلاغات تلقطها أجهزة الأمن وتترجمها إلى اعتقالات، في مناخ تغذيه شائعات و«ذعر أخلاقي» شبيه بحملات سابقة مثل «حمام رمسيس» (2014) أو «فتيات تيك توك» (2020).

الإعلام كشريك في صناعة الوصم ضد ياسمين والترانس

التغطية الصحفية لهذه القضايا غالبًا ما تتطابق مع البيانات الأمنية حرفيًا، دون أي تدقيق أو تساؤل حول الأساس القانوني أو قرينة البراءة.

وفي حالة ياسمين، أعادت معظم المواقع صياغة البيان بنفس مفرداته القيمية («خادش للحياء»، «انتحال صفة أنثى»)، بل أضافت طبقة من الإثارة لجذب النقرات، مما هيأ الجمهور لتبني السردية الأمنية باعتبارها حقيقة نهائية.

العناوين لعبت دورًا أساسيًا في تثبيت هذا التصور، حيث وُظّفت صياغات مثيرة وفضولية («مفاجأة…»، «قناع…») لتوجيه القارئ نحو قراءة القصة كفضيحة تستحق التشهير، مع تحويل الهوية الجندرية من شأن شخصي إلى دليل إدانة.

هذه الممارسات لا تكتفي بالتأثير على الرأي العام، بل تتحول إلى وقود لحملات الكراهية الرقمية، حيث يعاد نشر العناوين والصور على شكل ميمز وفيديوهات استهزائية تساهم في تشويه السمعة وإعادة إنتاج الترانسفوبيا.

بيان ترانسات مينا: مخاطر الاعتقال على النساء العابرات

في بيان صدر أمس، أكدت مؤسسة ترانسات مينا أن ياسمين عابرة جندريًا، وأنها لم تعلن ذلك بشكل علني على منصاتها بسبب “السياق التحريضي والعنف ضد العابرين/ات في مصر”. وأضاف البيان:

“استغلت الصحافة عدم إعلان ياسمين عن هويتها لتقوم بفضحها علنًا، مما يضعها في مخاطر متعددة فور خروجها من السجن. الصحافة المصرية اعتادت فضح هويات الأشخاص العابرين/ات المقبوض عليهم/ن، بينما صرحت بعض الصحف أن ياسمين ستُحتجز في سجن الرجال كونها مسجلة رسميًا كذكر رغم مظهرها الأنثوي”.

البيان حذر من أن وضع ياسمين في سجن للرجال قد يعرضها لعنف جنسي واعتداءات بدنية وترهيب، معتبرًا أن ذلك “مشاركة مباشرة من الشرطة المصرية في الجرائم التي قد تُرتكب بحقها داخل السجن”.

كما أوضح البيان أن القانون المصري لا يجرم وجود العابرين/ات، بل أن بعض مؤسسات الدولة مثل نقابة الأطباء لديها لوائح لتنظيم العبور الجنسي، إلا أن النيابة توجه لياسمين تهمًا فضفاضة مثل “خدش الحياء” و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي” و”التحريض على الفسق والفجور”، وهي تهم سبق أن استُخدمت ضد نساء عابرات ومثليات منذ عام 2020 في قضايا “قيم الأسرة”.

العنف الرقمي الممنهج الذي حمل وسم “ياسمين تيكتوك”

الحملة الرقمية المرافقة للقضية اتسمت بكثافة غير مسبوقة، إذ أظهرت العينة التي تم رصدها (حوالي 120 منشورًا ومقطعًا على الأقل) أن 68% منها مارست المحو الجندري المتعمد (Misgendering)، و14% تضمنت تحريضًا أو تلميحًا بالعنف، و11% وظفت التنميط الجنسي والفتيشة لجسد المرأة الترانس، بينما حمل 7% صورًا معدّلة أو ميمز تشهيرية.

المنصات الأكثر نشاطًا في هذه الحملة كانت فيسبوك وإكس، بينما انتشرت على تيك توك مقاطع مونتاج لعناوين الصحف مع تعليقات صوتية ساخرة.

كما زادت عمليات البحث عبر جوجل عن ألفين عملية بحث.

أرقام تكشف حجم العنف الإعلامي والرقمي ضد ياسمين والترانس:

شهدت قضية صانعة المحتوى الترانس «ياسمين» انفجارًا رقميًا غير مسبوق خلال أقل من 18 ساعة على نشر بيان وزارة الداخلية.

حجم التغطية:

  • +50 خبرًا وتقريرًا خلال أقل من يوم، أغلبها أعاد صياغة البيان الأمني بحرفيته ودون تدقيق.
  • حوالي 120 منشورًا ومقطع فيديو وميم على المنصات الرقمية.

أبرز الأنماط الخطابية:

  • محو الهوية (Misgendering) واستخدام ضمائر خاطئة: نحو 68% من المحتوى.
  • تحريض أو تلميح بالعنف الجسدي/الجنسي: نحو 14%.
  • تنميط جنسي وفتيشة لجسد المرأة الترانس: حوالي 11%.
  • ميمز وصور معدلة للتشهير والسخرية: نحو 7%.

المنصات الأكثر نشاطًا:

  • فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا): انتشار أوسع وتحريض أكثر تنظيمًا عبر مجموعات وصفحات عامة.
  • تيك توك: مقاطع مونتاج لعناوين الصحف مع تعليقات صوتية ساخرة أو مؤثرة.

ديناميكيات الانتشار:

  • لقطة شاشة واحدة لعنوان ترانسفوبـي تتحول خلال ساعات إلى عشرات النسخ المعدلة.
  • العنوان نفسه يتحول إلى «قالب ميم» يُعاد تدويره مع موسيقى، فلاتر، أو مونتاج ساخر يركز على الجسد.

هذا النمط يوضح كيف تلتقي التغطية الإعلامية الموجهة مع الحملات الرقمية لتضخيم خطاب الكراهية ضد النساء الترانس وتحويله إلى موجة جماعية منظمة.

حياة الترانس في مصر: بين القيد القانوني والعنف الاجتماعي

النساء والرجال الترانس في مصر يعيشون تحت مزيج من التحديات القانونية والاجتماعية والاقتصادية.

رغم أن القانون لا يجرّم العبور الجندري بشكل صريح، إلا أن الإجراءات البيروقراطية والقيود الطبية (مثل اشتراط موافقة لجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء) تجعل الحصول على اعتراف قانوني بالهوية أمرًا بالغ الصعوبة.

هذا الوضع يُبقي الكثيرين عالقين بين هويتهم الفعلية والوثائق الرسمية، ما يفتح الباب أمام الملاحقات الأمنية والتمييز في الخدمات الأساسية.

اجتماعيًا، يواجه الترانس مستويات مرتفعة من العنف الأسري والمجتمعي، بما في ذلك الطرد من المنزل، والانقطاع عن التعليم، وفقدان فرص العمل.

اقتصاديًا، يظل معدل البطالة بينهم مرتفعًا، ما يدفع بعضهم للعمل في مهن غير رسمية تفتقر للحماية القانونية. صحيًا، يفتقر النظام الطبي لعيادات صديقة للنوع الاجتماعي، وغالبًا ما يُعامل الأشخاص وفق النوع المسجل في أوراقهم، لا وفق هويتهم.

لماذا تهم هذه القضية الآن؟

إخلاء سبيل ياسمين لا يُنهي المخاطر التي تواجهها؛ إذ تبقى عرضة للوصم والتمييز وربما العنف، خاصة بعد حملة التشهير التي استهدفتها. كما أن القضية تكشف التقاء ثلاثة أنماط قمعية:

  • قمع حرية التعبير تحت ستار «حماية القيم».
  • الترانسفوبيا المؤسسية والإعلامية.
  • العنف الرقمي الموجه ضد الفئات المهمشة.
  • استمرار المحاكمة تحت تهم أخلاقية لا تستوعب الانزعاج الجندري والعبور الجنسي والتنوع الجندري.

هذه الأنماط مجتمعة تُرسخ ما تسميه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بـ«السلطوية الأخلاقية»، حيث يتحول القانون والإعلام إلى أدوات لضبط المجال العام وتطبيع المراقبة المجتمعية، مع إقصاء كل من يخرج عن «النموذج المثالي» للمواطن.

قضية ياسمين لم تكن مجرد خبر عابر، بل مرآة لآليات القمع المركبة التي تستهدف النساء الترانس وصنّاع المحتوى المستقلين في مصر.

من البيان الأمني إلى العنوان الصحفي، ومن البلاغ القانوني إلى الميم التشهيري، تتكامل حلقات منظومة ترى في التعبير الجندري المختلف تهديدًا ينبغي قمعه.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن للإعلام أن يتحرر من هذه التبعية للسردية الأمنية، وأن يعيد وضع الكرامة الإنسانية في قلب تغطيته؟ أم أن «السلطوية الأخلاقية» ستظل هي الإطار الحاكم الذي يحدد من له الحق في الوجود، ومن يُقصى خارج حدود القبول الاجتماعي؟

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.