المثليين

الكراهية كواجب اجتماعي: منطق هشّ في مواجهة قوة وجودنا نحن المثليين والترانس والكوير

في الدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، حيث يعيش أكثر من 501 مليون إنسان، لا يمر أي حضور كويري – مهما كان صغيرًا أو عابرًا – دون أن يثير عاصفة. لا يوجد منشور واحد بالعربية يتحدث عن المثليين أو الـترانس أو الكوير إلا ويُغرقه سيل من التعليقات العنيفة. لا يظهر شخص كوير على العلن، حتى ولو من خارج المنطقة، إلا ويتلقى وابلًا من الشتائم والدعوات بالقتل أو السجن أو التعذيب أو اللعنات.

لكن السؤال الأعمق هو: لماذا يشعر الجميع أنهم مكلفون بمهمة التصدي لنا؟ لماذا تحولت الكراهية إلى واجب يتقاسمه المجتمع كله، من الشيخ على منبره إلى الموظف في مكتبه، ومن السياسي إلى المعلّق المجهول على وسائل التواصل الاجتماعي؟

ولماذا لا يمر أي تعبير كويري – حتى ولو كان مجرد صورة أو كلمة – من دون أن ينطلق جيش كامل من الشتائم والتهديدات وكأن الأمر مسألة حياة أو موت؟

الكراهية كواجب… أم عبودية فكرية؟

حين تتحول الكراهية إلى واجب اجتماعي، يصبح الفرد أداة لا ذاتًا. يُطلب منه أن يكره “كي يكون صالحًا”، وأن يهاجم المختلف ليُثبت انتماءه. هكذا يُسلب الناس حريتهم في التفكير، ويتحوّلون إلى جنود في معركة لم يختاروها أو يفهموها أصلًا.

فالمؤسسات الدينية تشيطننا باسم الأخلاق، والإعلام يضخم صورًا نمطية ملفقة، والسياسيون يبيعون الوهم بالتحريض علينا. ما يبدو كـ”موقف شعبي” هو في الحقيقة جزء من ماكينة أوسع تُصنّع الكراهية وتوزع أدوارها.

هذا “الواجب” لا يحمي قيمًا بقدر ما يرسّخ الطاعة. حين يُطلب من ملايين الناس أن يكرهوا ملايين آخرين لمجرد هويتهم، فهذا يعني أن الفرد لم يعد حرًّا في مشاعره أو آرائه، بل صار مسيّرًا بخطاب سلطوي يحدّد له العدو مسبقًا. هنا تنكشف الكراهية لا كقيمة، بل كأداة للسيطرة وضبط المجتمع.

عنف المجتمع… أشد من قمع الدولة

في كثير من البلدان، العنف الذي يمارسه المجتمع ضد الكوير أشد شراسة من عقوبة الدولة. في أماكن تُسيطر فيها ميليشيات أو جماعات مسلحة، جرى قتل عشرات الكوير في الشوارع لمجرد الاشتباه بهويتهم. لا نتحدث هنا عن الاعتقال أو الغرامة، بل عن قتل مباشر وسط الحشود، بلا محاسبة أو مساءلة.

أما في البلدان التي لا توجد فيها جماعات مسلحة، فقد تكون العقوبة الرسمية السجن أو المحاكمة والاغتيال المجتمعي الإعلامي، لكن التهديدات والاعتداءات الاجتماعية لا تقل خطورة. هناك دائمًا جيران يهددون، زملاء يشيون، حشود تُحرّض. والمفارقة أن الدولة أحيانًا تمنع الناس من القتل المباشر، لا حبًا في حمايتنا، بل حفاظًا على النظام العام وصورتها أمام الخارج.

هكذا نرى أن تجييش الكراهية يعمل من أعلى إلى أسفل عبر الدولة والمؤسسات، ومن أسفل إلى أعلى عبر الأفراد الذين ينفذون العنف بشعور أنهم يؤدون “واجبًا دينيًا أو وطنيًا”.

هشاشة المنظومة أمام نفس واحد

المفارقة الكبرى أن كل هذا الجهد، وهذه الجيوش المعبأة، تتحرك لمواجهة ماذا؟ صورة على إنستغرام. رقصة على خشبة مسرح. جملة في مقابلة. مجرد نفس كويري. لو كانت هذه المنظومة صلبة، لما هزّها نفس عابر. لكن ردود الأفعال تكشف هشاشتها: مجرد وجودنا، ولو للحظة، يُربكهم.

كيف يمكن لمجتمع يدّعي الثقة بنفسه وقيمه أن ينهار أمام أغنية، أو علم ملوّن، أو ظهور شخصي؟ الحقيقة أن هذا الذعر ليس منّا، بل من خوفهم من أن يروا فينا إنسانيتهم. ما يحاولون إخفاءه هو أنهم يعرفون أن وجودنا طبيعي بقدر وجودهم، لكنهم يرفضون الاعتراف بذلك، فيحوّلون الكراهية إلى درع يحميهم من مواجهة حقيقتهم.

المقاومة في الوجود

ما لا يدركه من يعتبرون الكراهية واجبًا أن وجودنا ذاته مقاومة. كل كلمة نكتبها، كل ظهور علني، كل مساحة نصنعها لأنفسنا هي انتصار على منظومة تريد محونا. هم يحاولون إقناع الملايين أن حياتنا تهديد، لكننا نعرف الحقيقة: حياتنا لا تسرق حياة أحد، ووجودنا لم يسلب المجتمع شيئًا ما ونفسنا لم يسرق الهواء من رئة أحد. نحن لسنا خطرًا، بل نحن انعكاس لتنوع البشر.

إنهم يريدون منا الصمت، لكننا نواصل الكلام. يريدوننا غير مرئيين، لكننا نواصل الظهور. يريدوننا بلا أثر، لكن أثرنا يتضاعف كلما حاولوا محوه. في هذه المفارقة يكمن جوهر المقاومة: مجرد البقاء، مجرد التنفس، هو تحدٍّ يفضح هشاشة خطابهم.

الدين والكراهية: ازدواجية الخطاب

لا يمكن تجاهل دور المؤسسات الدينية في ترسيخ هذا “الواجب الاجتماعي”. منابر تُغرق المجتمعات بخطاب عن “الانحلال”، وتحوّل الكراهية إلى طاعة، وتعتبر القتل أو النبذ “دفاعًا عن الأخلاق”. لكن أليست هذه نفس المؤسسات التي تبشّر بالرحمة والتسامح؟ كيف يمكن لدين يرفع شعار “الرحمة” أن يبرّر العنف على إنسان لمجرد أنه مختلف؟ هنا يظهر التناقض الصارخ: خطاب الرحمة يتحوّل إلى غطاء للعنف، والفضيلة تُستَخدم كذريعة للقتل.

من يتحمل المسؤولية؟

الآن، لم يعد السؤال عن حقنا في الوجود فقط، بل عن مسؤولية كل فرد يشارك في هذه الدوامة. كل تعليق يحمل الرفض والكراهية والعنف، كل صمت موافق، كل “واجب” يمارس ضدنا، هو جزء من ماكينة تقتل ببطء.

لكننا – رغم ذلك – ما زلنا هنا. نكتب، نحب، نغني، ونبني فضاءات صغيرة للنجاة. وجودنا ليس جريمة، بل حياة كاملة. وكل نفس كويري يخرج للعلن هو فعل مقاومة، حتى ينهار هذا النظام الذي يقدّس الكراهية بدل الحياة.

قد يعتقدون أن الكراهية تحميهم، لكنها في الحقيقة تفضح ضعفهم. أما نحن، فكل ما علينا فعله هو الاستمرار: في التنفس، في الحلم، في البقاء. وجودنا نفسه هو تفكيك للمنظومة، ومقاومة لا تنطفئ.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.