Hot Milk

فيلم Hot Milk: دراما مثلية تكشف هشاشة الروابط العائلية ورغبة التحرر

في السنوات الأخيرة، برزت موجة جديدة من الأفلام التي لا تخشى مواجهة التابوهات الاجتماعية ولا الهويات المهمّشة، وفيلم Hot Milk (2025) يأتي في قلب هذه الموجة. العمل، المقتبس عن رواية الكاتبة البريطانية ديبورا ليفي، ليس مجرد حكاية أم وابنة في رحلة علاجية، بل نص بصري متشظٍ، يوازن بين الغموض والحميمية، ليكشف لنا تعقيدات الرغبة، والأسرار العائلية، والبحث عن الحرية. الأهم أنه يضع علاقة مثلية في صلب السرد، في زمن لا تزال فيه السينما الكويرية تُعتبر تحدياً في مناطق واسعة من العالم، ومنها شمال أفريقيا وغرب آسيا.

لمحة عامة عن فيلم Hot Milk

الفيلم من إنتاج بريطاني وإخراج ربيكا لينكيفيتش، التي عُرفت سابقاً بكتاباتها المسرحية وسيناريوهاتها المميزة مثل She Said وDisobedience. هذه المرة، تخوض تجربتها الإخراجية الأولى بعمل شائك ومشحون بالرمزية. تقوم إيما ماكي بدور صوفيا، طالبة أنثروبولوجيا توقفت عن دراستها لتصبح ممرضة ورفيقة لأمها روز (فيونا شو)، التي تعاني من مرض غامض أبقاها على كرسي متحرك لعقود. رحلة العلاج إلى سواحل إسبانيا تتحوّل إلى مسرح داخلي للنزاعات المكبوتة، فيما تظهر شخصية إنغريد (فيكي كريبس) لتعيد إشعال رغبات صوفيا المكبوتة وتفتح أمامها أفقاً جديداً للحب والانعتاق.

ثنائية المرض والحرية

الفيلم يطرح أسئلة وجودية عميقة عبر ثنائية المرض والحرية. الأم روز تجسد ما أسماه الناقد الأميركي سكوت فيتزجيرالد بـ”طغيان المرض”، إذ تفرض على ابنتها دوراً دائماً في العناية والإنكار الذاتي. مرضها غامض: هل هو عضوي حقيقي أم نفسي متوارث من صدمات الماضي؟ هنا يقدّم الفيلم قراءة عنيفة للعلاقات العائلية التي تبني هوياتنا، لكنها في الوقت ذاته تكبّلنا. في كل مشهد تقريباً، تظهر روز وهي تتلاعب بابنتها بين الحاجة والحزم، بين الحب والسيطرة، في تذكير بكمّية السلطة التي قد يحملها المرض داخل الأسرة.

التمثيل الكويري: بين الكبت والتحرر

قلب الفيلم الكويري يتجلى في العلاقة بين صوفيا وإنغريد. اللقاء الأول على الشاطئ، حيث تظهر إنغريد على ظهر حصان، هو لحظة سينمائية بامتياز، مشبعة بالرمزية الرومانسية. صوفيا، التي كبتت رغباتها طويلاً خلف واجباتها العائلية، تجد في إنغريد مساحة أولية للتجريب، وللاعتراف بميلها نحو النساء. لا يعرض الفيلم هذه العلاقة كمجرد “نزوة صيفية”، بل كإيقاظ داخلي عميق. الحميمية بينهما ليست محاطة بالفضائح أو الكليشيهات، بل بالبطء والتدرّج والصدق، ما يجعلها صورة نادرة لتمثيل مثلي واقعي على الشاشة.

المنشور الرسمي للفيلم

الرمزية والشعرية البصرية

اختارت لينكيفيتش أن تبني الفيلم كحلم يقظ، حيث تتكرر الصور والرموز بطريقة تُربك المشاهد وتدفعه للتأمل. قناديل البحر مثلاً ترمز إلى الرغبة: كائنات بلا دماغ ولا قلب، تعيش بدافع الجوع فقط، وهي استعارة دقيقة للانجذاب الجنسي الخام. البحر ذاته، الذي يمثل مكان العزلة والتحرر، يتحوّل أيضاً إلى مساحة خطر، يهدد بابتلاع الشخصيات. حتى كلمة مطرزة تظهر في أحد المشاهد يمكن أن تُقرأ كـ”حبيبة” أو “مقطوعة الرأس”، في تلاعب لغوي يعكس ازدواجية التجربة الإنسانية. هذا الاستخدام المكثف للرمز يجعل الفيلم أقرب إلى قصيدة بصرية منه إلى سرد خطي تقليدي.

صدى الفيلم في المنطقة

في سياق شمال أفريقيا وغرب آسيا، يكتسب Hot Milk بعداً إضافياً. فالقصة عن أم مهيمنة وابنة تبحث عن حريتها، مع محور مثلي أساسي، تلامس مباشرة حياة الكثير من الكويريين في المنطقة. مع ذلك، من المستبعد أن يُعرض الفيلم في الصالات التجارية أو المستقلة حتى بسبب الرقابة. المشاهد المحلي غالباً سيضطر إلى اللجوء إلى المنصات الرقمية لمشاهدته. هذه المفارقة تكشف مدى الفجوة بين الإبداع السينمائي العالمي والقيود المفروضة في منطقتنا، حيث لا تزال قصص الحب بين النساء أو الرجال تُعتبر “محرمة”.

الاستقبال النقدي والانقسام

عُرض Hot Milk في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، ما يعكس أهميته الفنية. ومع ذلك، جاءت ردود الفعل متباينة. على موقع Rotten Tomatoes لم يتجاوز معدل التقييمات الإيجابية 37%، فيما حصل على 54/100 في Metacritic. بعض النقاد رأوا أنه عمل غامض، بطيء الإيقاع، يبالغ في الرمزية على حساب الوضوح. لكن آخرين احتفوا بجرأته، معتبرين أن الغموض جزء من جمالياته، وأن أداء الممثلين — خصوصاً فيونا شو — منح الفيلم ثقلاً كبيراً. شو برعت في تقديم شخصية الأم بين السخرية واليأس والهيمنة، بينما جسّدت إيما ماكي صراع صوفيا الداخلي بصدق مؤلم.

قيمة الفيلم في السينما الكويرية

رغم الانقسام النقدي، يظل Hot Milk إضافة نوعية للسينما الكويرية العالمية. هو ليس فيلماً “مسلّياً” بالمعنى التقليدي، بل تجربة تتطلب صبراً وتأملاً. أهميته تكمن في أنه يعرض تجربة مثلية داخل إطار عائلي معقّد، ويطرح أسئلة عن السلطة، المرض، والرغبة في الحرية. بالنسبة لجمهور المنطقة، الفيلم يمكن أن يكون نافذة لفهم كيف تُترجم الرغبات المكبوتة إلى صور سينمائية، وكيف يمكن للحب المثلي أن يصبح مساحة خلاص حتى في أكثر الظروف تعقيداً.

فيلم Hot Milk ليس مجرد اقتباس أدبي، بل مغامرة بصرية وشعورية تحاول كسر دوائر الصمت والتبعية. الفيلم يمنح شخصياته هامشاً من الغموض، لكنه في الوقت ذاته يتركنا أمام صورة واضحة: التحرر لا يأتي من علاج جسدي فقط، بل من مواجهة الذات والانفتاح على الحب. وربما هذه هي رسالته الأهم: أن الشفاء يبدأ حين نكفّ عن إنكار هوياتنا.

الفيلم متوفر الآن عبر إصدار رقمي مع ترجمة عربية، ما يتيح لجمهور المنطقة فرصة نادرة لمشاهدته والتفاعل مع رمزيته الكويرية العميقة.

إعلان فيلم Hot Milk عبر يوتيوب

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.