في عالمٍ كثيرًا ما حاول إسكات الأصوات الكويرية، يطلّ Latin Blood – The Ballad of Ney Matogrosso (بالبرتغالية Homem com H «رجل بحرف H») كصرخة فنية واعتراف جسدي لا يعرف المهادنة. الفيلم يروي حكاية فنان تمرّد على القمع، وحوّل صوته وجسده إلى أدوات مقاومة، مانحًا الأجيال القادمة إرثًا من الحرية والجرأة.
لمحة عن الفيلم
أُنتِج الفيلم عام 2025 من إخراج المخرج البرازيلي إسمير فيلهو (Esmir Filho)، وبطولة الممثل جيسويتا باربوسا (Jesuíta Barbosa) في دور ناي ماتوجروسو (Ney Matogrosso). يشارك أيضًا كاروليني أبرس (Caroline Abras)، هيرميلا جيديس (Hermila Guedes)، رومولو براغا (Rômulo Braga)، وجوليو ريس (Jullio Reis) في دور المغني كازوزا (Cazuza).
يتنقّل الفيلم بين مراحل متعدّدة من حياة ناي ماتوجروسو (Ney Matogrosso/ناي ماتوجروسو)، منذ نشأته في بيت يخضع لسلطة أب عسكري صارم حاول كبح أي مظهر من مظاهر الاختلاف، مرورًا بمراهقته المليئة بالاضطراب والبحث عن هوية، وصولًا إلى انتقاله إلى ريو دي جانيرو حيث اكتشف المسرح والموسيقى كملاذ للتحرّر.
يروي الفيلم محطات انطلاقه مع فرقة Secos & Molhados/سيكوس إي مولهادوس التي أثارت ضجّة بأسلوبها المسرحي والرمزي، ثم بروزه كفنان منفرد أحدث ثورة في أغنية Homem de Neanderthal/رجل النياندرتال وأعمال أخرى شكّلت ذاكرة البرازيل الثقافية.
في موازاة الرحلة الفنية، يعرض الفيلم تفاصيل علاقاته العاطفية والإنسانية، وأبرزها ارتباطه العميق بالمغني كازوزا (Cazuza) الذي مثّل له شريكًا في الحب والمواجهة مع مجتمع محافظ.
كما يضيء على الخسارات والصداقات التي طبعت مساره، وعلى جرحه المفتوح مع والده الذي ظلّ يطارده حتى سنوات متأخرة.
عبر هذه الحكايات، يُظهر الفيلم كيف صنع ناي من جسده وصوته مساحة علنية لمقاومة الرقابة والرفض والكراهية، وكيف تحوّلت عروضه إلى أيقونات ثقافية كسرت المحرّمات وأطلقت أسئلة جريئة عن الجنس، والهوية، والحرية.
ينتمي الفيلم إلى دراما السيرة الموسيقية (Biographical Musical Drama) ومدته قرابة ساعتين وعشر دقائق، ومن توزيع Paris Filmes. بدأ عرضه في الصالات البرازيلية في 1 مايو/أيار 2025، وأُغلِق به «مهرجان السينما البرازيلية في باريس» بنسخته الـ27 في 6 مايو/أيار.
الموضوعات والتمثيل الكويري
قوة Latin Blood أنّه لا يقدّم تنازلات في تقديم الجسد المثلي والكويري. نرى الأجساد كما هي: حزن وفرح، حب وجنس، خوف وتمرّد. الكاميرا تعطي مساحات للحميمية ولحظات الانطلاق على المسرح، ما يجعل الجسد ذاته خطابًا سياسيًا وجماليًا في آن.
أحد محاور السرد علاقة ناي بالمغني الأسطوري كازوزا (Cazuza/كازوزا). تُصوَّر العلاقة كالتقاء روحين شجاعتين تفهمان الشهرة كدرع وكشف معًا، وتأتي المشاهد كدعوة صريحة للاعتراف بالمشاعر والرغبات بعيدًا عن تلطيف «مقبول» أو ترميز مبهم.

هذا الخيار الفني يرتبط بسياق برازيلي أوسع: تاريخ من الصدام مع الرقابة خلال حقبة الديكتاتورية العسكرية (1964–1985)، حين حكمت البلاد بقبضة أمنية فرضت رقابة شديدة على الإعلام والفنون وقمعت أي تعبير معارض أو غير تقليدي. في تلك الفترة، كان المسرح والموسيقى من أهم فضاءات المقاومة، ووجد الفنانون الكويريون في الأداء الجسدي والغنائي وسيلة لمواجهة الاستبداد وكشف تناقضاته. يستلهم الفيلم هذه الذاكرة السياسية ليجعل من صوت ناي وجسده أداة مواجهة للمعايير الأخلاقية القمعية التي حكمت المشهد العام. بذلك، يقدّم العمل نموذجًا لسينما لا تبحث عن المصالحة مع السائد بقدر ما تدفع حدود التمثيل وتُصرّ على الظهور.
يمكن المقارنة شكليًا مع سِيَر موسيقية شهيرة مثل Bohemian Rhapsody (حكاية فريدي ميركوري/ Freddie Mercury) وRocketman (قصة إلتون جون/ Elton John)، لكن الفارق أنّ Latin Blood يتخلّص من «تلميع» التجربة الكويرية؛ لا اعتذار ولا مواربة. إنّه مثال واقعي ومصنوع بإتقان عن مجتمع الميم في السينما عندما يُسمح له بأن يكون ذاته بالكامل—وهنا الدرس الذي على هوليوود تعلّمه من التجربة البرازيلية.
التحليل الفني
يختار المخرج إسمير فيلهو بناء فيلم نابض بالحياة يوازن بين عرضية المسرح وحميمية السيرة. تصوير أزول سيرا (Azul Serra) يمنح الجسد مركز الكادر؛ الكاميرا قريبة من الحركة والتنفس، وتستثمر الضوء والظل لالتقاط التوتر بين «العرض» و«الذات». اعتماد الفيلم على هذا القرب ليس صدفة، فالمخرج ومدير التصوير يؤكدان أن خيارات التكوين وحركة الكاميرا صُمّمت لتلتقط أكثر لحظات الشخصيات حميمية.
الصحافة البرازيلية (مثل Folha de S.Paulo وUOL) أثنت على استثمار العمل بصريًا، معتبرة أن العروض الموسيقية صُوّرت كجزء أساسي من السرد لا كأرقام منفصلة. كما برزت أزياء غابرييلا مارّا (Gabriela Marra) وتصميم الإنتاج لثالِس جونكيرا (Thales Junqueira) في إعادة بناء زمنَي السبعينيات والثمانينيات على الخشبة وخارجها.
الأداء الرئيسي لجيسويتا باربوسا (Jesuíta Barbosa) هو قلب الفيلم: تجسيد جسدي ونفسي بالغ الدقة، يوازن بين الكاريزما المسرحية والهشاشة الداخلية. أشادت به ناقدة السينما إيزابيلا بوسكوف (Isabela Boscov) واعتبرته «فريدًا مثل ناي نفسه»، فيما وصفه نقاد آخرون بأنه «عرض يكشف اتّساع موهبته» و«تقمّص جسدي ونفسي باهر».
الموسيقى هي اللغة الثانية للفيلم. اختار المخرج الإبقاء على صوت ناي ماتوجروسو الأصلي في الأغاني، بدلًا من أن يغنّي الممثل، ما عزّز الأثر الوثائقي للأغنيات على السرد. نسمع مقطوعات مثل «Rosa de Hiroshima/زهرة هيروشيما» و«O Mundo é um Moinho/العالم طاحونة» و«Homem com H/رجل بحرف H» و«Bandido Corazón/قلب خارج عن القانون» كما هي بصوته. أُطلق أيضًا ألبوم صغير (EP) مرتبط بالفيلم يضم هذه التسجيلات، من إنتاج موسيقي لإستوديو Amabis.
ورغم أنّ بعض النقاد أشاروا إلى تطويل في السرد خصوصًا في الثلث الأخير، فإن قوة الأداءات، الموسيقى، والصورة تبقى كفيلة بامتصاص أي بطء.
السياق الثقافي والإقليمي
بالنسبة لجمهور شمال أفريقيا وغرب آسيا، يُقارب الفيلم موضوعات مألوفة: العائلة المحافظة، الخوف من الفضيحة، والبحث عن مساحة آمنة للحب والتعبير. لكنه يقدّم أيضًا أفقًا ملهِمًا: كيف يمكن للفن أن يخلق مسرحًا عامًا للاعتراف والاختلاف.
في بيئات إقليمية وعربية ما تزال تُضيّق على التمثيل الكويري في التيار السائد، تأتي المنصّات الرقمية لتفتح نافذة على قصص وتجارب عابرة للحدود. إتاحة الفيلم على نتفليكس تسهّل الوصول إليه، وتمنح النقاش حول السينما الكويرية وتمثيل مجتمع الميم فرصة أكبر للانتشار والتطبيع الثقافي.
السينما الكويرية في البرازيل وأميركا اللاتينية
ينتمي الفيلم إلى تقليد لاتيني عريق قدّم أعمالًا كويرية بارزة. في تشيلي، فاز فيلم Una Mujer Fantástica/امرأة رائعة (2017) بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي وأسهم في توسيع النقاش العام حول حقوق الترانس.
وفي الأرجنتين، تناول فيلم XXY/إكس إكس واي (2007) قصة مراهقة إنترسكس (Intersex) بجرأة.
هذه التجارب تُظهر كيف ربطت السينما في أميركا اللاتينية السياسة بالجسد، والخصوصي بالعام، من دون خجل أو تلطيف.
في البرازيل تحديدًا، مثّل ناي ماتوجروسو منذ السبعينيات أيقونة ثقافية حولت المسرح إلى مساحة يومية للمقاومة: الأزياء، والمكياج، والحضور الجامع بين الذكوري والأنثوي(Androgynous) كانت أدوات تحدٍّ في وجه سلطة حاولت محو الاختلاف.
هذا الإرث الثقافي حاضر بقوة في الفيلم، ويمنحه صدقه وطاقته.
الخلاصة
دم لاتيني – بالاد ناي ماتوجروسو (Latin Blood – The Ballad of Ney Matogrosso) ليس مجرد فيلم موسيقي عن فنان مثلي؛ بل شهادة على قوة الفن في مواجهة القمع وبناء هوية جماعية لمجتمع الميم.
بالنسبة للجمهور العربي، يقدّم العمل فرصة للتفكير في كيف يمكن للسينما أن تصبح أداة تحرّر ومواجهة، تمامًا كما فعل ناي ماتوجروسو قبل خمسين عامًا.
الفيلم متاح عالميًا على نتفليكس بمدّة ساعتين وعشر دقائق، مع ترجمات متعددة، وهو عمل يذكّرنا بأن السينما الكويرية ليست ترفًا بل ضرورة لرواية قصصنا وحماية ذاكرتنا.