Game of Thrones

كيف مثل Game of Thrones المثليين ومجتمع الميم… وما الذي بقي بعد النهاية؟

عندما انطلق مسلسل Game of Thrones عام 2011، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول إلى واحدة من أضخم الظواهر التلفزيونية العالمية، وأن يصبح العمل الفانتازي الأكثر تأثيرًا في العقدين الأخيرين. المسلسل المقتبس من سلسلة روايات A Song of Ice and Fire لجورج ر. ر. مارتن قدّم عوالم معقدة، صراعات سياسية دامية، وحبكات متشابكة تجمع الحب والخيانة والطموح والموت. لكن خلف كل ذلك، حمل أيضًا تمثيلًا متنوعًا – وإن كان متباين الجودة – لشخصيات من مجتمع الميم.

في عالم ويستروس وإيسوس، لا وجود لمفاهيم أو مصطلحات حديثة مثل “مثلي” أو “مزدوج الميول الجنسية” أو “كوير”، لكن ذلك لم يمنع ظهور شخصيات ذات ميول جنسية أو هويات جندرية متنوعة، أحيانًا بشكل واضح وصريح، وأحيانًا عبر تلميحات وسياقات ضمنية. منذ اللحظة التي ظهر فيها سير لوراس تايريل ورينلي باراثيون معًا في الموسم الأول، أدرك المشاهدون أن المسلسل لا يتجنب طرح العلاقات المثلية، بل يدمجها في مساره السردي – وإن كان ذلك بأسلوب أثار الجدل لاحقًا.

الشخصيات الكويرية في Game of Thrones: من الفروسية إلى السياسة

لوراس تايريل، فارس “زهرة الليلي”، كان من أكثر الشخصيات الكويرية وضوحًا. في الروايات، كتب مارتن شخصية لوراس بمساحة إنسانية أعمق، وجعل علاقته برينلي تتجاوز الرغبة الجسدية إلى الولاء العاطفي والسياسي. لكن المسلسل حصره في صورة “المثلي النمطي”؛ الفارس الوسيم المهتم بالمظهر والعلاقات العابرة، وكأن ميوله الجنسية هي محركه الوحيد.

رينلي باراثيون، الأخ الأصغر للملك روبرت، وُصف بأنه سياسي ذكي يفتقر للمهارة العسكرية، وظهر في المسلسل كحبيب للوراس. لكن وجوده كان قصيرًا؛ اغتيل بيد ظلّ استدعته الساحرة ميليسندري، لينضم مبكرًا إلى قائمة الوفيات المأساوية للكوير في العمل.

يارا جرايجوي، قائدة بحرية ومحاربة شرسة، قدّمت تمثيلًا نادرًا للمرأة المثلية في الفانتازيا، تجمع بين الجرأة السياسية والعاطفية. علاقاتها، خاصة مع دينيريس، أثارت توقعات بتحالف يتجاوز السياسة، لكن المسلسل لم يمنح تلك الديناميكية وقتًا كافيًا للتطور.

أوبيرن مارتيل وإلاريا ساند، الثنائي البانسيكشوال من دورن، قدما صورة أكثر تحررًا للجنس والميول، مستمدة من ثقافة دورن الأقل تحفّظًا تجاه العلاقات المثلية. لكن أوبيرن قُتل بطريقة وحشية في مشهد صادم، وإلاريا انتهى بها المطاف سجينة تشهد موت ابنتها.

دينيريس تارجيريان، رغم أن ميولها لم تُعرّف بوضوح، أظهرت في المسلسل انجذابًا للنساء كما للرجال، خاصة في مشاهدها مع يارا، وهو ما جعل بعض القراءات تصنفها كثنائية الميول.

آريا ستارك، رغم أنها ليست مكتوبة كشخصية كويرية، جسدت نوعًا من عدم الامتثال الجندري، عبر تنكرها في أدوار ذكورية وقدرتها على التنقل بين الهويات، ما فتح باب التأويل لهويتها الجندرية.

الانتقادات الموجهة للتمثيل الكويري في المسلسل

رغم جرأة Game of Thrones في إدخال شخصيات كويرية ضمن أحداث فانتازية تاريخية، إلا أن الكثير من النقاد والمشاهدين – خاصة من مجتمع الميم – وجّهوا انتقادات حادة لطريقة معالجته. من أبرز هذه الملاحظات:

  • الاقتصار على الصور النمطية: تم تقديم بعض الشخصيات، مثل لوراس، بصورة تحصره في قالب “المثلي الرقيق” أو “المهووس بالعلاقات الجنسية”، بدل إبراز أبعاد أخرى لشخصيته كما في الروايات.
  • النهايات المأساوية المتكررة: معظم الشخصيات الكويرية قُتلت أو سُجنت أو اختفت من الأحداث، مما رسّخ ما يُعرف في النقد الإعلامي بنمط “المأساة الكويرية” (Bury Your Gays Trope).
  • التهميش السردي: حتى الشخصيات التي نجت، مثل يارا، تم تهميشها في المواسم الأخيرة، واختُزل حضورها إلى مشاهد عابرة، رغم إمكانياتها الدرامية والسياسية.
  • استخدام الجنس كعنصر إثارة بدل العمق: كثير من المشاهد الكويرية اتخذت طابعًا إيروتيكيًا بصريًا يخدم الصدمة أو الإثارة للمشاهدين المغايرين، دون تطوير العلاقات الكويرية كقصص حب أو تحالفات ذات معنى.
  • الفجوة بين الروايات والمسلسل: نصوص جورج ر. ر. مارتن، المكتوبة في التسعينات، أظهرت تعاطفًا وعمقًا أكبر في تصوير العلاقات المثلية، في حين أن المعالجة التلفزيونية أضعفت هذا البعد لصالح عناصر الإثارة أو الحبكة الرئيسية.

ما الذي تقوله الدراسات عن تمثيل الكوير في Game of Thrones؟

النقد لم يقتصر على المشاهدين، بل وصل إلى الأوساط الأكاديمية أيضًا. دراسة بعنوان “Beyond the Iron Throne” حللت جميع مواسم المسلسل عبر مراجعة دقيقة للمشاهد والحوارات والإشارات البصرية المتعلقة بالشخصيات الكويرية. أظهرت الدراسة أن المسلسل قدّم أحيانًا لحظات إنسانية وعاطفية معقدة، لكنه في المقابل لجأ إلى التضخيم المثير للصدمة، حيث استُخدمت المعاناة أو الموت كأداة لإثارة المشاهد بدل أن تكون جزءًا من سردية إنسانية متكاملة. كما أشارت إلى أن العالم الدرامي للمسلسل – خاصة في ويستروس – تبنى خطابًا دينيًا واجتماعيًا متمركزًا حول المغايرة الجنسية، ما جعل الشخصيات المثلية عرضة للوصم والعنف.

دراسات أخرى تناولت ما يُعرف بـ “ادفنوا الكوير”، وهو نمط متكرر في التلفزيون والسينما حيث تُقتل الشخصيات الكويرية أو تُمحى قصصها. وجدت هذه الدراسات أن Game of Thrones يكرر هذا النمط مع أكثر من شخصية رئيسية، مما يعكس استمرار مشكلة أوسع في صناعة الدراما.

تحليلات شاملة لتمثيل الكوير في التلفزيون الغربي أظهرت تحسنًا عدديًا في ظهور الشخصيات المثلية خلال السنوات الأخيرة، لكن الجودة ما زالت تمثل تحديًا؛ فالعديد من هذه الشخصيات تظهر لفترات قصيرة أو تظل في أدوار ثانوية. وفي عالم الفانتازيا تحديدًا، نادرًا ما تحصل الشخصيات الكويرية على مسارات حياة متكاملة أو نهايات سعيدة. حتى House of the Dragon، العمل المشتق من Game of Thrones، أعاد إنتاج بعض الأنماط نفسها مثل التهميش أو محو الشخصيات الكويرية.

توصي هذه الدراسات، إضافة إلى منظمات مثل GLAAD، بأن تتجنب الأعمال الدرامية هذه الأنماط المتكررة، وأن تمنح الشخصيات الكويرية قصصًا متكاملة تشمل الفرح والعلاقات الصحية وتحقيق الإنجازات، بدل الاكتفاء بسرديات المعاناة أو الموت.

السياق الاجتماعي والثقافي داخل ويستروس

العالم الخيالي لـ Game of Thrones يعكس مواقف مختلفة من المثلية حسب المناطق: في ويستروس، خاصة تحت تأثير “إيمان السبعة”، العلاقات المثلية مرفوضة اجتماعيًا ودينيًا، وقد تؤدي إلى السجن أو الإعدام، كما حدث مع لوراس. أما في دورن، فالمجتمع أكثر تقبلًا وتسامحًا، ولا يرى حرجًا في العلاقات المثلية أو تعدد الشركاء. هذه التباينات أضافت عمقًا جغرافيًا وثقافيًا لتمثيل الكوير، لكنها لم تُستثمر بشكل كافٍ في الدراما.

أثر التمثيل على المشاهد العربي الكوير

بالنسبة للمشاهدين الكوير في المنطقة العربية، رؤية شخصيات تمثلهم في إنتاج ضخم مثل Game of Thrones تحمل ثقلًا خاصًا. من جهة، هناك شعور بالاعتراف والوجود في خيال عالمي، ومن جهة أخرى، النهايات المأساوية والتهميش قد تكرس صورة نمطية مفادها أن الشخصيات الكويرية لا تنجو في عوالم الصراع، سواء كانت خيالية أو واقعية.

إرث المسلسل وما بعده

رغم أن Game of Thrones انتهى عام 2019، فإن عالم ويستروس ما زال حاضرًا بقوة عبر الأعمال المشتقة مثل House of the Dragon، والمسلسلات قيد التطوير مثل A Knight of the Seven Kingdoms: The Hedge Knight، والمشاريع التي تدور حول شخصيات وأحداث سابقة أو لاحقة للأحداث الأصلية. لكن، وبحسب كثير من النقاد والقراءات الأكاديمية، فإن المشكلة الجوهرية في تمثيل الكوير لم تُحل بعد، بل أعيد إنتاجها في هذه الأعمال الجديدة.

،رغم نجاحه النقدي والجماهيري، كرر مسلسل House of the Dragon أنماطًا مألوفة من تهميش الشخصيات المثلية أو إنهاء قصصها بالموت المأساوي، كما حدث مع علاقة لا ينور فيلاريون وجوفري لونموث التي انتهت بجريمة قتل عنيفة مشحونة برمزية “الذعر” من انكشاف الميول المثلية. هذا المشهد ذكّر كثيرين بتاريخ المسلسل الأصلي في إقصاء الشخصيات الكويرية أو معاقبتها، من رينلي باراثيون إلى لوراس تايريل وأوبيرن مارتيل، في حين ظل الناجون من الكوير نادرين للغاية.

المفارقة أن هذا العالم الخيالي، الذي يتقبل سفاح القربى والتنانين والسحر، لا يزال يتعامل مع الحب والعلاقات المثلية كأمر مستحيل البقاء، أو “خطأ” لا بد أن يُمحى من السرد. حتى الشخصيات الكويرية النسائية، مثل يارا جريجوي وإلاريا ساند، لم تسلم من أنماط التشييء أو العنف، وإن كانت نهاياتهن أقل مأساوية من نظرائهن الرجال.

بالنسبة للجمهور الكويري، وخاصة في منطقتنا، فإن هذه الأنماط ليست مجرد تفاصيل سردية، بل انعكاس لواقع أوسع من التهميش والإقصاء. ومع استمرار إنتاج أعمال جديدة في عالم ويستروس، يبقى السؤال: هل ستتعلم هذه السرديات من انتقادات الماضي وتقدم تمثيلًا يتيح للشخصيات الكويرية أن تعيش وتزدهر، أم سنظل ندور في الحلقة ذاتها من المأساة والإقصاء؟

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.