يلفت الأدب الكويري النظر ليس فقط لأنّه يوسّع مفهوم الهوية والرغبة، بل لأنّه يضع التجربة الإنسانية في مركز الحكاية في مواجهة الرقابة والوصم.
هذه الأسماء العشرة تتكرر باستمرار في القوائم المرجعية ودوائر التدريس والجوائز، وتشكل ما يُعرف بـ الكانون (Canon)، أي المتن الأدبي المعتمد أو مجموعة الأعمال الكلاسيكية الأكثر أهمية وتأثيرًا في مجال معيّن.
في هذا السياق، الكانون الكويري هو تلك الأعمال التي أصبحت جزءًا أساسيًا من دراسة الأدب الكويري عالميًا، وتُعتبر مرجعًا لفهم تاريخه وتطوره.
ولضمان دقة الاختيار، جرى التقاطع بين مراجع موسوعية ونقدية، منها موسوعة بريتانيكا (Encyclopedia Britannica)، وهي موسوعة معرفية عالمية عريقة تقدم مقالات موثقة وشاملة عن أبرز الشخصيات والأعمال في مختلف المجالات، بما في ذلك الأدب الكويري.
كما تم الاعتماد على تاريخ كامبردج للأدب الكويري (Cambridge History of Queer Literature)، وهو عمل أكاديمي شامل صادر عن جامعة كامبردج يقدّم تحليلاً تاريخيًا ونقديًا لتطور الأدب الكويري عالميًا، من نصوصه الأولى حتى الإصدارات المعاصرة، مع إبراز السياقات الثقافية والسياسية التي شكلت مساره.
إضافةً إلى ذلك، جرى الرجوع إلى قوائم شعبية واسعة الانتشار تؤكد شهرتهم العابرة للأجيال، مما يعزز توازن الاختيار بين المرجعية الأكاديمية والتلقي الثقافي العام.
1) سافو (Sappho) — اليونان القديمة (حوالي 630–570 ق.م)
شاعرة الغنائية اليونانية من جزيرة ليسبوس، ارتبط اسمها تاريخيًا بالقصائد التي تمجّد المحبّة بين النساء، حتى باتت مرجعًا لغويًا وثقافيًا لمفردات “السافِيك/ليزبيان” في اللغات الحديثة.
ورغم ضياع معظم نتاجها وبقاءه في شذرات، ظلّ تأثيرها الأدبي ساحقًا على الشعر الغنائي، وأعادت الأبحاث الحديثة تأكيد مكانتها “كموسى عاشرة” في المخيال القديم.
أهمية سافو اليوم أنّها تمنح سُلّمًا تاريخيًا لفهم أن الغزل بين النساء ليس حديثًا، بل مكوّن ثقافي جمالي عميق الجذور.

2) والت ويتمان (Walt Whitman) — الولايات المتحدة (1819–1892)
صاحب «أوراق العشب»، مَنح القصيدة الأمريكية جسدًا جديدًا وصوتًا فرديًا يدمج الروحاني بالجسدي.
قرأ الطبيعة كقوّة توليد، وكتب رغبات الإنسان بلا مواربة، مع حضورٍ واضح للّهجة المثلية/ازدواجية الميول الجنسية في عدد من القصائد، وهو ما رسّخ الاعتقاد بميوله وأهميته في تاريخ التمثيل الكويري بالشعر الأمريكي.
تأثيره امتد إلى أجيال من الشعراء والمفكرين بوصفه مؤسِّسًا لحداثة شعرية تحتفي بالحرّية الجسدية والوجدانية معًا.

3) مارسيل بروست (Marcel Proust) — فرنسا (1871–1922)
ملحمة «البحث عن الزمن الضائع» ليست فقط مشروعًا في الذاكرة والوعي، بل كذلك أرشيفًا اجتماعيًا للأهواء والعلاقات، حيث تتبدّى شخصيات مثل البارون دي شارلوس وتيمات الرغبة الرجولية بوضوح في أجزاء واسعة من العمل.
نال بروست جائزة الغونكور (1919) وأعاد تعريف السرد الذاتي الطويل، مبرزًا تعقيد الهوية والرغبة ضمن طبقات المجتمع الباريسي. استمرار قراءته عالميًا يعود إلى جرأته الأسلوبية وتشريحه الدقيق للعاطفة والغيرة والوقت.

4) أوسكار وايلد (Oscar Wilde) — أيرلندا/بريطانيا (1854–1900)
الكاتب الذي وحَّد البريق والأسلوب الساخر مع التراجيديا الشخصية. رواية «صورة دوريان غراي» ومسرحياته «أهمية أن تكون إرنست» صارت علامات في الأدب الإنجليزي، لكن محاكمته بتهمة “الفعل الفاضح” بسبب ميوله الجنسية المثلية عام 1895 جعلته رمزًا تاريخيًا لقمع الكويريين في العصر الفيكتوري.
ظلّت تجربته مِرآةً للنزاع بين العبقرية والوصم المجتمعي، وألهمت حركات حقوقية لاحقة، فيما واصلت أعماله إثارة نقاشات الأخلاق والفن والجنس.

5) فيرجينيا وولف (Virginia Woolf) — المملكة المتحدة (1882–1941)
من أعمدة الحداثة السردية. في «أورلاندو»، كتبت “سيرة متخيّلة” تُهديها إلى فيتا ساكفيل‑وِست، تمتد لقرون وتغيّر فيها الشخصية جنسها بسلاسة، مُقدِّمةً واحدًا من أكثر نصوص القرن العشرين طواعيةً وجرأةً في معالجة النوع الاجتماعي والرغبة.
علاقتها بفيتا وانشغالها باستقلال المرأة الفكري في «غرفة تخص المرء وحده» جعلاها مرجعية أدبية ومنارات نظرية للنسوية والكويرية معًا.

6) فيديريكو غارسيا لوركا (Federico García Lorca) — إسبانيا (1898–1936)
شاعر ومسرحي إسباني قدّم في «الرومانسيرو الغجري» ومسرحياته «بيت برناردا ألبا» و«عرس الدم» لغةً حسّاسة للهوية والرغبة والحرية.
اغتياله في بدايات الحرب الأهلية الإسبانية على يد القوميين الذين كرهوا ميوله الجنسية وأفكاره الليبرالية حوّله إلى أيقونة ثقافية، وبقيت أعماله تُقرأ كبيان جمالي ضد الطغيان. تأثيره عابر للغات، ويمتد من الشعر الإسباني إلى مسارح العالم.

7) إدوارد مورغان فورستر (E. M. Forster) — المملكة المتحدة (1879–1970)
روائي حداثي قدّم نقدًا رصينًا للطبقات الإنجليزية («رحلة إلى الهند»، «هواردز إند»). لكن عمله الكويري المفصلي «موريس» ظلّ حبيس الأدراج لعقود ولم يُنشر إلا بعد وفاته عام 1971 بسبب موضوعه المثلي الصريح ونهاية الحب المثلية “السعيدة” غير المألوفة تاريخيًا. لقد غيّر «موريس» توقّعات القرّاء من تمثيلات الحب بين الرجال في الرواية الإنجليزية وفتح الباب لأجيال لاحقة.

8) تينيسي ويليامز (Tennessee Williams) — الولايات المتحدة (1911–1983)
أحد أعظم كتّاب الدراما في القرن العشرين. «عربة اسمها الرغبة»، و«قطة على سطح من الصفيح الساخن»، و«زجاج الحيوانات» نماذج لدراما شديدة المكاشفة والانفعال العاطفي.
تتعامل كتاباته مع الرغبة، والوحدة، والعار، والضعف البشري بشكل مباشر وصادم أحيانًا، بحيث يشعر القارئ أو المشاهد وكأن النص ينزع القشرة الواقية عن النفس الإنسانية ليكشف ما تحتها من صراعات وأوجاع، مما يجعلها مؤثرة وصادمة في آن واحد.
تقاطعت نصوصه مع سيرته، وحضرت الهوية الكويرية ضمنيًا وصريحًا على نحو أحدث ثورة في مسرح ما بعد الحرب، فيما توّجت أعماله بالجوائز والاقتباسات السينمائية الواسعة.

9) جيمس بالدوين (James Baldwin) — الولايات المتحدة/فرنسا (1924–1987)
كاتب روائي ومقالاتي وشاعر، وضع بكتاباته تقاطع الهوية السوداء والكويرية في قلب الأدب الأمريكي الحديث.
تُعد «غرفة جيوفاني» (1956) عملًا تأسيسيًا في الأدب الكويري لشفافيته العاطفية وصراحته الموضوعية، وقد عانى بالدوين لإيجاد ناشر لها وقت صدورها.
إرثه يتجاوز الأدب إلى حركة الحقوق المدنية والفكر النقدي.

10) أودري لورد (Audre Lorde) — الولايات المتحدة (1934–1992)
شاعرة ومفكّرة نسوية سوداء، مزجت بين الشعر والمقال السياسي في مشروع يعلن التقاطعية قبل أن تُصاغ شيوعًا بهذا الاسم.
مجموعتها «أختٌ غريبة» (Sister Outsider) كرّستها مرجعية لحركات النسوية السوداء والعدالة الكويرية، وجعلت صوتها—كشاعرة مثلية وأم ومعلّمة—من الأعمدة التي يستند إليها جيلٌ بعد جيل.

لماذا هؤلاء «الأكثر شهرة»؟
نجد هذه الأسماء مكرّسة عبر مصادر مرجعية وموسوعية ومناهج جامعية وقوائم نقدية: حضور سافو وويتمان وبروست ووولف ووايلد وبالدوين وفورستر ولوركا وتينيسي ويليامز وأودري لورد يتكرر باستمرار بوصفهم أعمدة “الكانون” الكويري التاريخي، ويظهرون في لوائح “الأكثر تأثيرًا/شهرة” وفي مداخل الدراسات الأكاديمية عن الأدب الكويري.
هذا الإجماع يعكس التلقي النقدي، وحجم التأثير على الأجيال اللاحقة، والانتشار العالمي للأعمال والتراجم.
خيط تاريخي يمتد… من سافو إلى لورد
وفي تتبّع هذا الامتداد التاريخي للأدب الكويري، لا يقتصر المشهد على الغرب فقط، بل يمتد أيضًا إلى التراث العربي-الإسلامي.
كما يوضح خالد الرويهب في كتابه «ما قبل المثلية في العالم العربي-الإسلامي، 1500–1800» (Before Homosexuality in the Arab-Islamic World, 1500–1800)، فإن التعبير عن العشق والرغبة آنذاك كان حاضرًا في الشعر والنثر، لكنه لم يكن مؤطرًا بمفاهيم الهوية الجنسية الحديثة.
هذه المقاربة التاريخية تمنحنا منظورًا أوسع لفهم أن التجربة الكويرية في الأدب، سواء عند سافو أو أبي نواس أو غيرهما، كانت دائمًا جزءًا من الإنتاج الثقافي، وإن اختلفت لغتها وأطرها عبر الأزمنة.
ملاحظة تحريرية:
توصيف «غيروا تاريخ الأدب عالميًا» أو «الأشهر» أو «الأهم» يظل تقريبيًا، لكن الأسماء الواردة هنا تتكرر بثبات في المراجع الأكاديمية، واللوائح الموسوعية، والمناهج الجامعية، والمقالات النقدية الكبرى، ما يمنحها أولوية واضحة في أي قائمة عالمية موجزة من عشرة كُتّاب كويريين.
ورغم أن المشهد الأدبي الكويري عالمي ومتعدد الثقافات، فإن هذه القائمة لم تتضمن كُتّابًا من العالم العربي أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا (الجنوب العالمي) لأن معايير الاختيار اعتمدت على مدى الحضور في الكانون (Canon) الأدبي الكويري الدولي كما يظهر في المصادر الأكاديمية والموسوعية الغربية أو التي تأخذ صفة «عالمية».
وهذا الحضور يرتبط إلى حد كبير بتاريخ النشر والتوثيق والترجمة في السياقات الغربية، ما أدى إلى هيمنة أسماء من أوروبا وأمريكا الشمالية على مثل هذه القوائم.
هذا لا يعني غياب الأصوات الكويرية المؤثرة في الجنوب العالمي، بل يعكس الفجوة المستمرة في الاعتراف والتوثيق العالمي لهذه الأعمال، وهي فجوة تحتاج إلى جهود نقدية وأكاديمية لتوسيع الكانون العالمي ليشملها.
للقراءة التأسيسية (أعمال مفصلية لكل أديب وكاتب):
أودري لورد: أخت غريبة — Sister Outsider، واليونيكورن الأسود — The Black Unicorn
سافو: شذرات الشعر الغنائي (مختارات وشروح عديدة) — Sappho: Fragments of Lyric Poetry
والت ويتمان: أوراق العشب — Leaves of Grass
مارسيل بروست: البحث عن الزمن الضائع — À la recherche du temps perdu (In Search of Lost Time)
أوسكار وايلد: صورة دوريان غراي — The Picture of Dorian Gray، وأهمية أن تكون إرنست — The Importance of Being Earnest
فيرجينيا وولف: أورلاندو — Orlando، وغرفة تخص المرء وحده — A Room of One’s Own
فيديريكو غارسيا لوركا: الرومانسيرو الغجري — Romancero Gitano، ومسرحياته مثل بيت برناردا ألبا — The House of Bernarda Alba
إ. م. فورستر: موريس — Maurice (نُشرت بعد وفاته)
تينيسي ويليامز: عربة اسمها الرغبة — A Streetcar Named Desire، وقطة على سطح من الصفيح الساخن — Cat on a Hot Tin Roof
جيمس بالدوين: غرفة جيوفاني — Giovanni’s Room، والنار المرة القادمة — The Fire Next Time