في عالم السينما الكويرية، هناك أفلام لا تكتفي بسرد قصة حب، بل تتحول إلى مرآة لمشاعرنا الأكثر تعقيداً، وتفتح نافذة على عوالم لم نكن نجرؤ على النظر إليها.
فيلم أولئك الناس (Those People) (2015) للمخرج والكاتب الأمريكي جوي كوين (Joey Kuhn)، هو أحد تلك الأعمال النادرة.
حكاية شاعرية عن الصداقة، والهوس، والطبقة الاجتماعية، والحب الذي لا يجد طريقه، تدور أحداثها في أحياء النخبة المترفة من مانهاتن (Manhattan)، لكنها تحمل صدًى عالمياً يصل إلى قلوب المشاهدين في المنطقة، حتى لو لم تتوفر فرصة مشاهدته في قاعات السينما بفعل الرقابة، أو اضطروا لمطاردته عبر المهرجانات أو المنصات الرقمية.
اليوم، بعد سنوات من صدوره حصرياً على أقراص الـDVD، أصبح الفيلم متاحاً على الإنترنت بجودة عالية، ومع ترجمة عربية، ما يتيح لجمهور أوسع في شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا فرصة الانغماس في هذه التجربة السينمائية الفريدة.
ملخص القصة: قلب معلق بين الماضي والمستقبل
تدور القصة حول تشارلي (Charlie)، الذي يجسده الممثل جوناثان غوردون (Jonathan Gordon)، طالب فنون شاب يعيش في ظل صديقه الأقرب سيباستيان (Sebastian)، الذي يؤديه جيسون رالف (Jason Ralph)، الوريث المترف لأسرة انهارت بعد فضيحة مالية ضخمة أودت بوالده إلى السجن ودفعت والدته إلى الهرب. علاقة الصداقة بينهما تمتد لخمسة عشر عاماً، لكن مشاعر تشارلي تتجاوز حدود الصداقة، فيما يبقي سيباستيان الحبل مشدوداً بين المراوغة والاعتماد العاطفي.
حياة تشارلي تتغير حين يلتقي بـ تيم (Tim)، الذي يجسده الممثل اللبناني الأمريكي هاز سليمان (Haaz Sleiman)، عازف بيانو لبناني مهاجر يكبره سناً وأكثر نضجاً، يعبّر عن إعجابه وحبه بصراحة من اللحظة الأولى. لكن قلب تشارلي يبقى أسيراً لسيباستيان، ما يفتح باب صراع داخلي بين الأمان العاطفي الذي يمنحه تيم، والجاذبية المؤذية التي يشدّه بها سيباستيان.
شخصيات وأداءات مبهرة في أولئك الناس (Those People)
الثلاثي الرئيسي في الفيلم يشكل قلبه النابض:
- جوناثان غوردون (Jonathan Gordon) يجسد تشارلي بعفوية وارتباك حقيقيين، ويمنح الشخصية مزيجاً من البراءة والحساسية.

- جيسون رالف (Jason Ralph) يضفي على سيباستيان جاذبية لا يمكن إنكارها رغم أنانيته الواضحة، فيجعل المشاهد ممزقاً بين التعاطف والنفور.

- هاز سليمان (Haaz Sleiman)، الممثل اللبناني الأمريكي المعروف، يقدّم شخصية تيم بلمسة دافئة وعمق عاطفي نادر. سليمان، الذي وُلد في الإمارات ونشأ في بيروت قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، حقق شهرة واسعة في أفلام ومسلسلات أمريكية بارزة مثل The Visitor وKilling Jesus، وأعلن هويته المثلية عام 2017، ما جعل حضوره في الفيلم إضافة ذات بعد تمثيلي وسياسي في آن واحد، خاصة لكونه يقدم شخصية عربية مثلية إيجابية وناضجة.

الكيمياء بين غوردون ورالف تنقل بصدق تاريخاً طويلاً من الصداقة المربكة، فيما تضيف لحظات تشارلي وتيم لمسة من الحنان والصدق، تجعل المشاهد يتساءل عن معنى الحب الذي يستحقه الإنسان.
مثلث الحب… صراع القلب بين المألوف والجديد
في قلب أولئك الناس (Those People) ينبض مثلث حب كلاسيكي لكن بمعالجة خاصة تنتمي بصدق لتجارب حقيقية في المجتمع المثلي. تشارلي يجد نفسه بين طرفين: سيباستيان، الصديق القديم الذي يعرف كل تفاصيله، ويشده إليه مزيج من الحنين والجاذبية المعقدة، وتيم، الحاضر الجديد الذي يفتح أمامه أبواب علاقة صحية ومستقرة.
الفيلم لا يختزل هذا الصراع في ثنائية “الصحيح والخاطئ”، بل يلتقط المشاعر الرمادية التي تعيش بينهما: الخوف من فقدان الشخص الذي كان محور حياتك، والقلق من القفز إلى حب جديد قد يعني التخلي عن جزء من ذاتك القديمة. كثير من الرجال المثليين سيتعرفون على هذه الديناميكية، حيث تختلط الصداقة العميقة بالإعجاب الجسدي، وحيث الماضي يملك قوة تجعل الانفصال عنه مؤلماً حتى لو كان ذلك لمصلحتك.
المخرج جوي كوين (Joey Kuhn) يعالج هذا المثلث بعين دافئة، فلا يصوّر أي طرف كـ”الشرير”، بل يكشف هشاشة كل شخصية، ويترك للمشاهد أن يشعر بالتعاطف مع الثلاثة في آن واحد. النتيجة قصة حب مليئة بالشغف والحيرة، لكنها أيضاً عن النضج والقدرة على الاعتراف بأن الحب أحياناً لا يكفي.
رؤية إخراجية وصورة بصرية آسرة
في أول أفلامه الطويلة، يقدّم جوي كوين (Joey Kuhn) عملاً مصقولاً جمالياً. الكاميرا، بعدسة ليوناردو دانتوني (Leonardo D’Antoni)، تلتقط ألوان نيويورك (New York City) الخريفية وفضاءات أحياء النخبة بأسلوب يوازن بين الفخامة والحميمية. لا وجود تقريباً للتكنولوجيا الحديثة على الشاشة؛ لا هواتف ذكية ولا شاشات مضيئة، ما يمنح الفيلم إحساساً بالزمن المعلق، كأنه يمكن أن يحدث في أي لحظة من العقود الأخيرة.
اللقطات الواسعة لخط المشاة في منتزه هاي لاين المرتفع (High Line)، وقاعات الحفلات الكبرى، ومشهد رأس السنة اليهودية في كنيس مزدحم، تمنح الفيلم روح المكان. الإخراج يتجنب الكليشيهات البصرية للأفلام المستقلة، ويعتمد على حركة الكاميرا المدروسة لتقريب المشاهدين من الشخصيات لا من الأحداث وحدها.
تمثيل كويري غني وواقعي
أولئك الناس (Those People) يبتعد عن القصص النمطية التي تتمحور حول اكتشاف وإعلان الميول الجنسية أو المعاناة المباشرة بسبب الميول الجنسية. شخصياته مثليّة الهوية منذ البداية، لكن الصراع هنا يدور حول النضج العاطفي، والاعتمادية، والقدرة على قطع العلاقات المؤذية. هذه المقاربة تمنحه صفة العالمية، وتجعل قصته مفهومة ومؤثرة حتى للمشاهدين في المنطقة الذين يعيشون في بيئات ثقافية وقانونية أكثر تقييداً.
بالنسبة لجمهور شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا، رؤية شخصية عربية مثلية إيجابية مثل تيم—ناجح، واثق، ومع ذلك إنسان بعمق مشاعره—يمثل نقطة فارقة نادرة في السينما العالمية.
استقبال وجوائز
منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان سياتل السينمائي الدولي (Seattle International Film Festival) عام 2015، حصد الفيلم عدة جوائز جماهيرية، منها جائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان NewFest بنيويورك، وجائزة أفضل فيلم أمريكي أول في Outfest بلوس أنجلوس. كما رُشّح لجائزة GLAAD الإعلامية عام 2017.
حتى بين جمهور المنطقة، رغم صعوبة الوصول للفيلم، ظل يُتداول عبر التوصيات والملفات المترجمة من قبل المتطوعين، ليصبح الآن متاحاً بسهولة أكبر عبر الإنترنت، ما يمنح فرصة لمشاهدته ضمن سياق أوسع للنقاش حول السينما الكويرية.
فيلم عن الحب والنضج… وجرأة الانفصال
أولئك الناس (Those People) ليس مجرد فيلم عن المثلية والميول الجنسية أو طبقة الأثرياء في نيويورك. إنه تأمل في الروابط التي تربطنا بأشخاص قد لا يكونون الأفضل لنا، لكنه أيضاً عن الشجاعة التي نحتاجها لنحب أنفسنا أكثر مما نحبهم. بجمالياته البصرية، وأداءاته الصادقة، وحواره الحاد أحياناً والمؤلم غالباً، يظل الفيلم عملاً دافئاً وصادقاً.
بالنسبة للمشاهدين في المنطقة، قد يكون هذا الفيلم نافذة على نوع من القصص الكويرية التي نادراً ما تصل إلينا: قصص حيث تكون الهوية المثلية أمراً مسلّماً به، وحيث الصراع الحقيقي هو صراع القلب مع ذاته. والآن، مع توفره أونلاين بجودة عالية وترجمة عربية، باتت هذه النافذة مفتوحة على مصراعيها.