Saving Face

فيلم Saving Face: كوميديا رومانسية مثلية كسرت حواجز العائلة والهوية

في مطلع الألفية الجديدة، لم تكن هوليوود معروفة بفتح أبوابها أمام قصص النساء الآسيويات أو تمثيل العلاقات المثلية. لكن عام 2004 شهد ميلاد فيلم Saving Face (حفظًا لماء الوجه) الذي أخرجته أليس وو (Alice Wu)، ليقدّم للجمهور قصة مركبة، تمزج بين الكوميديا الرومانسية والدراما العائلية، وتفتح مساحة نادرة للهوية المثلية الصينية-الأميركية على الشاشة.

العنوان ذاته – «حفظًا لماء الوجه» – مأخوذ من تعبير ثقافي شائع في الصين وشرق آسيا، ويقابله في العربية التعبير المعروف «حفظ ماء الوجه»، أي حماية السمعة والكرامة أمام المجتمع. اختيار هذا المفهوم كعنوان يلخص قلب الحكاية: صراع بين الرغبة في العيش بصدق وبين الخوف من «فقدان ماء الوجه» داخل مجتمع تقليدي يراقب أفراده بعضهم بعضًا بلا رحمة.

اليوم، بعد أكثر من عشرين عامًا، لا يزال الفيلم حاضرًا بقوة في النقاشات حول السينما الكويرية وتمثيل مجتمع الميم في السينما العالمية، ويُنظر إليه كأحد الأعمال المرجعية في تاريخ الرومانسية المثلية على الشاشة الكبيرة.

لمحة عن فيلم Saving Face

الفيلم من بطولة ميشيل كروسيتش (Michelle Krusiec) بدور البطلة ويلهيلما «ويل» بانغ، ولين تشن (Lynn Chen) في دور الراقصة فيفيان، وجوان تشن (Joan Chen) في دور الأم هوي-لان. ينتمي العمل إلى الكوميديا-الدراما الرومانسية، وصُوّر في نيويورك بميزانية محدودة، لكنه ترك أثرًا يتجاوز حجمه بكثير.

منشور الفيلم

القصة تدور حول ويل، جرّاحة صينية-أميركية ناجحة، لكنها تخفي ميولها المثلية عن عائلتها. تقع في حب فيفيان، راقصة متمرّدة، بينما تضطر في الوقت نفسه إلى استقبال والدتها الحامل خارج إطار الزواج بعد أن طردها والدها. بين سرّ الأم وسرّ الابنة، يتحول المنزل إلى مسرح لصراع بين التقاليد والحرية، وبين الخوف من المجتمع والرغبة في العيش بصدق.

تمثيل مجتمع الميم والرموز الكويرية

يتميّز Saving Face بجرأته في تقديم علاقة مثلية آسيوية-أميركية بصدق بعيدًا عن التنميط، وهو ما كان نادرًا في مطلع الألفية.

  • العلاقة بين ويل وفيفيان مرسومة بحساسية وحميمية، من اللقاء الأول في قاعة الحفلات العائلية إلى لحظات الرقص والاعتراف بالحب. الكيمياء بين الممثلتين تجعل القصة نابضة بالحياة.
  • مفهوم «ماء الوجه» يرمز إلى القيود الاجتماعية: الأم تفقد «ماء وجهها» بسبب حملها خارج الزواج، والابنة تخشى كشف ميولها خوفًا من «إحراج العائلة». لكن مع تطور الأحداث، تدرك كلتاهما أن الحقيقة أهم من الصورة.
  • الأهم أن الفيلم يمنح جمهوره خاتمة سعيدة، على عكس معظم الأفلام المثلية في تلك الفترة التي كانت تنتهي بمأساة. رؤية امرأتين آسيويتين تتبادلان قبلة حب علنية أمام مجتمعهما كان مشهدًا ثوريًا عام 2004.

هذه النهاية الإيجابية جعلت الفيلم يكتسب طابعًا تحرريًا ملهمًا، خصوصًا للجمهور الكويري الذي اعتاد على قصص تُروى عبر التراجيديا والحرمان.

عن المخرجة والكاتبة: أليس وو

أليس وو (Alice Wu) وُلدت في كاليفورنيا لعائلة مهاجرة من تايوان. درست علوم الحاسوب في جامعة ستانفورد وعملت في «مايكروسوفت»، لكن مسارها المهني انقلب رأسًا على عقب حين بدأت كتابة قصة مستوحاة من تجربتها الشخصية في مصارحة والدتها بأنها مثلية. تحوّل النص سريعًا إلى سيناريو سينمائي، لتترك عالم البرمجة وتتفرغ للفن.

واجهت وو تحديات هائلة: استوديوهات هوليوود أرادت تحويل الشخصيات إلى بيضاء أو غير مثلية حتى يسهل تسويق الفيلم، بل عُرض عليها أن تلعب ممثلة مشهورة مثل ريز ويذرسبون (Reese Witherspoon) أو سكارليت جوهانسون (Scarlett Johansson) دور البطولة. لكنها رفضت بشدة، مؤكدة أن اللغة المندرينية، والهوية الصينية-الأميركية، والعلاقة المثلية عناصر غير قابلة للتفاوض.

المخرجة أليس وو

إصرارها أثمر: Saving Face أصبح أول فيلم هوليوودي يضع نساء صينيات-أميركيات مثليات في قلب القصة. بعده بسنوات طويلة، عادت وو بفيلم ثانٍ هو The Half of It (النصف الآخر، 2020)، الذي حصد جائزة الجمهور في مهرجان «ترايبيكا» وقدّم بدوره قصة حب مثلية بين مراهقتين.

فيلم The Half of It على نتفليكس

اليوم تُعتبر وو من الأسماء البارزة في السينما الكويرية، وصوتًا أصيلًا في الدفاع عن تمثيل النساء الآسيويات والمثليات في الشاشة. فيلمها Saving Face لا يقتصر على كونه تجربة فنية ناجحة، بل هو أيضًا شهادة على شجاعة صانعة أفلام رفضت التنازلات، وفتحت الباب أمام جيل جديد من الأصوات الكويرية الآسيوية.

التحليل الفني والنقدي في Saving Face

الفيلم يجمع بين الطابع الكوميدي الخفيف وعمق التجربة الإنسانية.

  • الإخراج: وو منحت العمل أصالة ثقافية وواقعية عبر المزج بين الإنجليزية والمندرينية، والاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة في حياة الجالية الصينية في نيويورك.
  • الأداء التمثيلي: ميشيل كروسيتش جسدت شخصية ويل بخجل وارتباك واقعي، فيما قدّمت لين تشن شخصية فيفيان بجرأة وسحر. جوان تشن أضافت طبقة إنسانية لدور الأم هوي-لان، لتصبح شخصيتها موازية في الأهمية لقصة الحب.
  • التصوير والموسيقى: الإضاءة الدافئة في أحياء كوينز ومانهاتن منحت الفيلم جواً واقعياً، بينما أسهمت موسيقى أنطون سانكو (Anton Sanko) في تعزيز المزج بين الكوميديا والرومانسية.
  • الانتقادات: بعض النقاد أشاروا إلى بطء الإيقاع في بدايته وإلى ميل النهاية إلى الميلودراما. لكن الغالبية أثنوا على حس الدعابة والصدق العاطفي الذي يجعل الفيلم محبوبًا.

جوائز وترشيحات نالها Saving Face

نال Saving Face إشادة واسعة وترشح لعدة جوائز مهمة:

  • جوائز GLAAD 2006: ترشح لجائزة أفضل فيلم في الإصدار المحدود.
  • مهرجان Golden Horse 2005: فازت ميشيل كروسيتش بجائزة أفضل ممثلة، وحصل الفيلم على جائزة اختيار الجمهور.
  • جوائز Gotham 2005: ترشحت أليس وو لجائزة أفضل مخرجة صاعدة.
  • مهرجان سان فرانسيسكو السينمائي الآسيوي-الأميركي: فاز بجائزة الجمهور لأفضل فيلم روائي.

هذه الجوائز جعلت الفيلم يُعتبر واحدًا من أهم إنجازات السينما المستقلة في بداية الألفية.

أثر الفيلم المستمر حتى اليوم

بعد عقدين من صدوره، ما زال Saving Face حاضرًا بقوة. عام 2025، دخل الفيلم مجموعة Criterion Collection المرموقة بعد إعادة ترميمه بدقة عالية، وهو تكريم يُمنح للأعمال الكلاسيكية المؤثرة. كما اختارته مواقع مثل IndieWire ضمن قائمة أفضل الأفلام المثلية على الإطلاق، فيما احتل المرتبة الثانية في قائمة Autostraddle لأفضل 200 فيلم عن المثليات.

منشور دعائي حديث للفيلم بأسلوب الإنيميشن

لا يقتصر أثر الفيلم على النقد، بل يمتد إلى جمهوره: كثيرون صرّحوا بأن مشاهدة Saving Face منحتهم الشجاعة لمصارحة عائلاتهم أو تقبّل هويتهم. بالنسبة للكثير من النساء المثليات والكويريات الآسيويات، كان هذا الفيلم أول مرة يشاهدن أنفسهن ممثلات بصدق على الشاشة.

السياق الثقافي والإقليمي

بالنسبة للجمهور في شمال أفريقيا وغرب آسيا، يكتسب Saving Face معنى إضافياً. قضايا «السمعة» و«الشرف» حاضرة بقوة في مجتمعاتنا، وتُستخدم لفرض قيود صارمة على النساء والكويريين. من هنا، يُشبه الفيلم مرآة بعيدة تتيح رؤية التشابه بين الجاليات الآسيوية في المهجر والتجارب المحلية في المجتمعات الناطقة بالعربية.

ومع ذلك، يبقى الوصول إلى مثل هذه الأفلام صعبًا بسبب الرقابة، حيث يُحظر عرض الأعمال التي تتناول موضوعات مثلية. غالبية المشاهدين في المنطقة تعرفوا على Saving Face عبر الإنترنت أو نسخ رقمية مترجمة.

القيمة الأساسية للفيلم عربياً وإقليميًا أنه يفتح النقاش: هل يمكن أن تتغير التقاليد لتستوعب الهويات الكويرية؟ وكيف يمكن للآباء والأمهات أن يتحولوا من رفض أبنائهم إلى قبولهم ودعمهم؟ قصة الأم هوي-لان التي تنتقل من الإنكار إلى التضامن مع ابنتها قد تكون ملهمة لعائلات عربيةوفي المنطقة تواجه مواقف مشابهة.

بعد أكثر من عشرين عاماً على عرضه الأول، لا يزال فيلم Saving Face «حفظًا لماء الوجه» من أبرز كلاسيكيات السينما الكويرية. إنه فيلم مثلي يجمع بين الكوميديا والدراما العائلية، ويقدّم درساً في الشجاعة والصدق مع الذات، ورسالة بأن الحب يمكن أن ينتصر حتى وسط القيود.

بالنسبة للجمهور الكويري الناطق بالعربية، يُمثّل Saving Face نافذة نادرة لرؤية تمثيل صادق وقوي للهوية المثلية في سياق ثقافي غير غربي بالكامل. الفيلم متاح اليوم بنسخة مُرممة ضمن مجموعة Criterion، مع ترجمات متعددة، ما يتيح للأجيال الجديدة فرصة اكتشافه. لمن يبحث عن فيلم يجمع بين الرومانسية والتمثيل الكويري الأصيل، فإن Saving Face هو عمل يستحق أن يُشاهد ويُدرّس.

الإعلان الدعائي للفيلم عبر يوتيوب بجودة عالية

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.