المثلية

هل المثلية تفسد الأخلاق؟

لطالما رُوّج في مجتمعات المنطقة لفكرة أن المثلية الجنسية “تُخالف الأخلاق” أو “تُدمّر قيم المجتمع”. تُستخدم هذه العبارات كثيرًا في الإعلام، والسياسة، والخطابات الدينية، وحتى في الأحاديث اليومية. ولكن، هل هذا الادعاء يستند فعلًا إلى حقائق علمية أو أخلاقية؟ أم أنه مجرد خرافة تُخفي وراءها أسبابًا أعمق تتعلق بالخوف، والجهل، والكراهية، والسيطرة على الأجساد والهويات؟

في هذا المقال، نعرض ما تقوله الأبحاث العلمية، والدراسات النفسية والاجتماعية، عن المثلية، والأخلاق، والمجتمع.

من يُحدّد “الأخلاق”؟ خلفية ثقافية وتاريخية

فكرة “الأخلاق” ليست ثابتة، بل تتغيّر عبر الزمان والمكان. في منطقتنا، تشكّلت وتتشكل مفاهيم الأخلاق من مزيج معقّد من العادات، والموروث الديني، والتقاليد، والتأثيرات الاستعمارية الغربية التي عززت النظرة السلبية للمثلية والمثليين ومختلفي التوجهات الجنسية والهويات الجندرية.

لكن تاريخ المنطقة يُظهر تنوّعًا غنيًا في فهم الجندر والميول الجنسية. ففي فترات مختلفة من التاريخ المصري القديم والفارسي والإسلامي والعباسي والعثماني، وُجدت كتابات وأشعار وعلاقات توثّق الحب بين أشخاص من نفس الجنس، دون أن تُعتبر آنذاك تهديدًا للأخلاق العامة. فهل تغيّرت الأخلاق، أم أن الخطاب المسيطر فقط تغيّر؟

المثلية ليست “غير أخلاقية”: ما تقوله العلوم

الأبحاث النفسية والبيولوجية والاجتماعية الحديثة تؤكد أن المثلية الجنسية ليست انحرافًا، ولا مرضًا، ولا نتيجة “سوء تربية”، بل هي جزء طبيعي من التنوع البشري.
بحسب الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (APA)، فإن “الميول الجنسية تتشكّل من مزيج من العوامل البيولوجية المعقدة، ولا يمكن تغييرها بالإكراه أو العلاج”【APA, 1994】.

دراسة منشورة في Frontiers in Psychology أظهرت أن معظم الأشخاص المثليين يعيشون حياة أخلاقية ومتوازنة، وأن تصورهم للقيم الأخلاقية لا يختلف جوهريًا عن غيرهم【2019】. كما بيّنت دراسات أخرى أن تجريم المثلية يُفاقم معدلات الاكتئاب والانتحار والعنف ضد المثليين، ما يُعتبر تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة والأمان الاجتماعي【PMC5446302】.

هل المثليون يدمّرون “قيم المجتمع”؟ من يصنع الفزع الأخلاقي؟

غالبًا ما تُستخدم المثلية كأداة لصرف النظر عن أزمات أعمق تمر بها مجتمعاتنا. ففي فترات التوتر السياسي أو الاقتصادي، يصبح الحديث عن “الانحلال الأخلاقي” وسيلة لإعادة توجيه الغضب الشعبي نحو فئة مُهمّشة، بدلًا من مواجهة الفساد أو الظلم أو الفقر.

هذا النمط من “الذعر الأخلاقي” تم توثيقه في العديد من الدراسات، منها دراسة حول أوغندا نشرتها Journal of Modern African Studies، والتي توضح كيف يُستغل خطاب الأخلاق لقمع المثليين سياسيًا وإعلاميًا كجزء من حملة عامة لاستخدام المثليين وأجسادهم كـ كبش فداء【Cambridge, 2011】.

من يُدمّر الأخلاق فعلًا؟

حين نتأمل التحديات الأخلاقية الحقيقية في مجتمعاتنا، لا نجد المثلية من بينها. بل نواجه:

  • الفساد المالي والإداري
  • العنف ضد النساء والأطفال
  • خطاب الكراهية الديني والإعلامي
  • التمييز الطبقي والجنسي
  • غياب العدالة الاجتماعية

المثليون ليسوا هم من يصادر الحريات أو يسرق الموارد أو يعنف النساء. بل إنهم في كثير من الأحيان ضحايا لهذه المشاكل، لا صانعوها.

شهادات محلية: بين العزلة والكرامة

يقول أحد النشطاء الكوير في المنطقة:
“لا أحد يختار أن يكون هدفًا للكره أو الرفض. نحن نحاول فقط أن نعيش بكرامة. أين الخطر الأخلاقي في ذلك؟”
وتحذّر باحثة اجتماعية من أن “الوصم الأخلاقي يُحرم الناس من الرعاية الصحية، والتعليم، والحماية من العنف”【Degruyter, 2023】.

العار المجتمعي لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يُعمّق الانقسامات ويُضعف الثقة في المؤسسات.

الكرامة ليست تهديدًا للأخلاق

الحب، والصدق، والحرية الشخصية، ليست تهديدًا للمجتمع. بل الكذب، والقمع، والظلم، هم الخطر الحقيقي.


علينا أن نتساءل: ما هي الأخلاق التي نريد حمايتها فعلًا؟ أخلاق الرحمة والتفاهم، أم أخلاق الإقصاء والعقاب؟

إعادة النظر في مفاهيمنا الأخلاقية ليست ضعفًا، بل شجاعة. والمثليون لا يطلبون أكثر من الحق في الوجود بسلام. أليس ذلك، بحد ذاته، من أسمى القيم الأخلاقية؟

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.