المثلية

هل المثلية الجنسية سببها الجينات والعوامل الوراثية؟

في السنوات الأخيرة، انتشرت في وسائل الإعلام العربية ومنصات التواصل الاجتماعي مقولات مفادها أن “العلم أثبت أن المثلية ليست جينية”، في إشارة خاطئة ومضللة لنتائج دراسة علمية نُشرت عام 2019 في مجلة Science. استندت هذه الخرافة إلى ترجمة سطحية وانتقائية لنتائج معقّدة، ما أدى إلى تضليل الجمهور وإعادة تدوير خطاب يفتقر إلى الدقة العلمية.

لكن ما الذي يقوله العلم فعلًا؟ هل هناك علاقة بين الجينات والتوجه الجنسي؟ وهل غياب “جين واحد” يعني أن المثلية لا علاقة لها بالوراثة؟ في هذا المقال، نستعرض أبرز الدراسات العلمية حول هذا الموضوع، ونوضح السياق الحقيقي للنتائج التي جرى تحريفها.

ما تقوله الدراسات الجينية عن المثلية

الدراسة الأوسع والأكثر شمولًا حتى اليوم هي تلك التي أجراها الباحث أندريا جانا وزملاؤه عام 2019، بعنوان: “Large-scale GWAS reveals insights into the genetic architecture of same-sex sexual behavior”. نُشرت الدراسة في مجلة Science، وشملت بيانات جينية من أكثر من 477,000 مشارك من قواعد بيانات “UK Biobank” و”23andMe”.

استخدم الباحثون أسلوب “دراسة الارتباط على مستوى الجينوم” (GWAS)، وهي تقنية حديثة لتحليل ملايين المتغيرات الجينية. وكانت أبرز النتائج كالتالي:

  • لا يوجد “جين واحد” مسؤول عن المثلية الجنسية.
  • تم تحديد خمس مناطق جينية مرتبطة بالسلوك الجنسي المثلي، منها اثنان مرتبطان أيضًا بالسلوك الجنسي لدى الأشخاص مغايري الجنس.
  • الجينات تؤثر على التوجه الجنسي، لكن تأثيرها متداخل مع عوامل أخرى مثل الهرمونات، البيئة، والتنشئة.
  • النتائج تختلف بين الرجال والنساء، مما يشير إلى أن العوامل البيولوجية معقدة وغير موحّدة للجميع.
  • التأثير الجيني يُفسّر بين 8% إلى 25% من التباين في السلوك الجنسي المثلي.
  • لا يمكن استخدام هذه المعلومات الجينية للتنبؤ بالتوجه الجنسي شخص ما، ولا ينبغي استخدامها بأي طريقة تبرر الرفض والكراهية والعنف.

 ماذا يعني هذا كله؟

  • المثلية ليست خيارًا، ولكنها ناتج عن تفاعل معقّد بين الجينات والبيئة والهرمونات والتجارب الحياتية.
  • العلم يرفض فكرة أن المثلية “سببها التربية” أو يمكن “تغييرها”، ويُظهر أن الهوية الجنسية والتوجه الجنسي هما جزء طبيعي من تنوّع البشر.
  • الدراسة أكدت أن البيئة والمجتمع لا يصنعان المثلية، بل قد يؤثران فقط في كيفية تعبير الأشخاص عنها.

وقد جاء في نص الدراسة الأصلي:

“نتائجنا لا تدعم وجود تأثير حتمي لجين واحد أو عدد محدود من الجينات على التوجه الجنسي. بل تؤكد أن المثلية الجنسية والمغايرة الجنسية سلوك معقد متعدد العوامل، منها الوراثي وغير الوراثي” (Ganna et al., 2019).

خرافة “المثلية ليست جينية”: كيف وُلدت؟

في العديد من التغطيات الإعلامية العربية، جرى اختزال نتائج هذه الدراسة إلى عناوين مثل: “العلم يثبت أن المثلية ليست وراثية”، دون أي إشارة إلى السياق العلمي الكامل أو النسب التي تفسرها الجينات. ساهمت هذه التغطيات في ترسيخ خرافة أن “المثلية لا علاقة لها بالجينات”، رغم أن النص الأصلي للدراسة يقول عكس ذلك تمامًا.

تم استغلال هذه المقولة من قبل بعض المؤثرين والخطباء والسياسيين لتبرير الوصم المجتمعي ومحاولات “العلاج التحويلي”، ما يُعد تحريفًا متعمدًا واستغلالًا غير أخلاقي لبحث علمي دقيق.

هل غياب “جين واحد” يعني أن المثلية ليست بيولوجية؟

لا. معظم السمات الإنسانية — من الطول إلى الذكاء — لا تحددها جينات فردية، بل تساهم فيها مجموعات كبيرة من الجينات بطرق معقدة ومتداخلة. المثلية الجنسية تتبع هذا النمط أيضًا، وهي ليست سلوكًا “مكتسبًا” كما يروّج البعض.

دراسات أخرى تدعم التأثير الجيني

لم تكن دراسة جانا هي الأولى في هذا المجال. على مدى عقود، أجريت العديد من الدراسات التي تشير إلى وجود مكوّن وراثي في التوجه الجنسي:

  • Bailey & Pillard (1991): دراسة توائم ذكور وجدت أن نسبة التوافق في المثلية كانت 52% بين التوائم المتطابقة مقارنة بـ 22% بين التوائم غير المتطابقة، مما يدل على تأثير وراثي ملحوظ.
  • Hamer et al. (1993): دراسة رائدة ربطت بين المثلية ووجود علامات على الكروموسوم Xq28.
  • Sanders et al. (2015): دراسة واسعة دعمت بعض نتائج Hamer ووسّعتها عبر تحليل شامل.
  • Santtila et al. (2008): دراسة فنلندية على أكثر من 6,000 توأم أظهرت أن العوامل الوراثية تُفسر نسبة معتبرة من التباين في التوجه الجنسي.
  • Mustanski et al. (2005): مراجعة بحثية خلصت إلى أن التوجه الجنسي نتيجة لتفاعل معقّد بين العوامل الجينية والبيئية.

تفاعل الجينات مع البيئة: توضيح علمي مهم

يستخدم بعض الناس عبارة “العوامل البيئية” لتبرير أن المثلية ناتجة عن “الصحبة” أو “الأسرة” أو “وسائل الإعلام”. لكن في العلم، البيئة لا تعني دائمًا “العوامل الاجتماعية”. بل تشمل:

  • التعرض الهرموني داخل الرحم.
  • التكوين العصبي المبكر للدماغ.
  • عوامل بيئية بيولوجية غير إرادية.

مثلًا، تأثير ترتيب الولادة — حيث يزيد احتمال المثلية مع كل أخ ذكر أكبر — يفسره ما يُعرف بفرضية المناعة الأمومية: حيث تطور الأمهات أجسامًا مضادة تؤثر على نمو دماغ الجنين الذكر في الحمل اللاحق (Bogaert, 2018).

كما أظهرت دراسات أن المثلية ترتبط بتركيب الدماغ، كحجم نواة INAH3 في الوطاء (LeVay, 1991)، واستجابات مختلفة للفِيرمونات، وتشابهات مع دماغ النساء المغايرات.

دراسات إضافية تؤكد التأثير البيولوجي

  • دراسات المسح العصبي أظهرت أن استجابة المثليين للروائح الجنسية تختلف عن المغايرين (Savic et al., 2005).
  • دراسات الأبعاد الرقمية للأصابع، وعدد تلال الأصابع، وردود الفعل السمعية كلها أظهرت فروقًا نمطية بين المثليين والمغايرين.
  • دراسات على الحيوانات مثل الكباش أظهرت سلوكًا مثليًا مرتبطًا ببنية دماغية محددة، ما يشير إلى وجود أساس تطوري وبيولوجي.

ما هو التوافق العلمي اليوم؟

التوافق العلمي العالمي اليوم، كما تعبّر عنه منظمات مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، والمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، يقوم على النقاط التالية:

  • لا يوجد “جين واحد” يحدد الميول الجنسية، تمامًا كما لا يوجد جين واحد يحدد الذكاء أو الطول.
  • المثلية ليست خيارًا ولا تجربة مكتسبة، بل جزء من التكوين النفسي والبيولوجي للفرد.
  • العوامل الجينية تلعب دورًا جزئيًا، إلى جانب عوامل هرمونية وبيئية أخرى.
  • لا يمكن “تغيير” التوجه الجنسي علميًا، ومحاولات ذلك قد تكون ضارة نفسيًا وأخلاقيًا.

وقد أكدت الـ APA أن:

“الميول الجنسية ليست خيارًا. لا توجد أدلة علمية تدعم فعالية أو سلامة ما يُسمى بعلاج تغيير الميول الجنسية” (APA, 2009).

لماذا هذه الخرافة خطيرة؟

القول إن “المثلية ليست جينية” يُستخدم لتبرير:

  • اللجوء إلى ما يُعرف بـ “العلاج التحويلي”، رغم أنه مرفوض من قبل المؤسسات الصحية الكبرى.
  • تعميق وصمة العار ضد المثليين، خاصة من الشباب الذين يكافحون لتقبّل أنفسهم.
  • إصدار تشريعات تمييزية تُجرّم أو تحظر التعبير عن التوجه الجنسي، ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية وحقوق الإنسان.

كما تؤدي هذه الخرافة إلى تشويه العلاقة بين المجتمع والعلم، وتُضعف الثقة بالبحث العلمي لصالح السرديات الأيديولوجية والدينية المتطرفة.

الخلاصة: المثلية جزء من تنوع الطبيعة البشرية

المثلية الجنسية ليست “نزوة” ولا “تجربة”، ولا تُكتسب من الإعلام أو الصداقات أو الثقافة. وهي أيضًا ليست نتيجة عامل واحد يمكن التحكم به. بل هي نتيجة لتفاعل معقّد بين الجينات، والهرمونات (أثناء الحمل لا عند البلوغ)، وتكوين الدماغ. والعلم لا يرى فيها انحرافًا، بل تعبيرًا طبيعيًا عن تنوّع الجنس البشري.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.