المثليين في الخليج – في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو دولة قطر بصفتها أول دولة عربية تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم في 2022، أثارت إحدى الصحف السعودية الرائدة جدلاً واسعاً بتغطيتها المثيرة للجدل حول حقوق المثليين في إطار الاستعدادات القطرية للبطولة العالمية.
صحيفة عكاظ السعودية عنونت أحد تقاريرها بـ:
“نظام الدوحة يهين مواطنيه بترحيبه بـ(المثليين) في 2022”
وذلك تعليقاً على توقيع قطر على اتفاقيات رسمية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تضمن احترام حقوق الإنسان، بما فيها التعهد بعدم التمييز على أساس الميول الجنسية أو الهوية الجندرية، وهي المعايير التي تفرضها الفيفا كجزء من شروط استضافة البطولة.
الالتزامات الحقوقية لكأس العالم 2022
منذ فوز قطر باستضافة مونديال 2022، وقعت الحكومة القطرية على عدد من الاتفاقيات التي تلزمها بمراعاة المعايير الحقوقية الدولية خلال التحضيرات واستضافة الحدث، ومن ضمنها:
- ضمان حرية التنقل والتعبير لجميع الزوار
- احترام التنوع الثقافي والديني والجنسي
- عدم التمييز ضد أي فرد بناءً على العرق، الدين، الجنسية أو التوجه الجنسي
وقد أُدرجت هذه المعايير بناءً على مطالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد انتقادات لحقوق الإنسان في عدد من الدول المستضيفة سابقاً.
هجوم إعلامي بدل الحوار: عكاظ نموذجاً
في تغطيتها لتلك التعهدات، لم تناقش صحيفة عكاظ جوانب الالتزام بالقوانين الدولية أو التطورات في المنطقة، بل ركّزت على إدانة قطر بسبب “ترحيبها بالمثليين”، واعتبرت ذلك “إهانة للمواطنين”.
هذا الخطاب أثار ردود فعل واسعة، خصوصاً من متابعي قضايا حقوق الإنسان، الذين تساءلوا عن المعايير التي يتم فيها تعريف “الإهانة” في الإعلام الرسمي.
ازدواجية في المفاهيم: ما الذي يُعتبر إهانة؟
أشارت أصوات نقدية عديدة إلى أن صحيفة عكاظ ترى في احترام الحقوق الفردية للمثليين إهانة، في الوقت الذي لا تعتبر فيه:
- رجم المثليين أو جلدهم حتى الموت في بعض المناطق السعودية إهانة
- سجن النساء المدافعات عن حقوقهن، مثل لجين الهذلول، إهانة
- فرض لباس موحّد على النساء ومعاملتهن كقُصر قانونياً، إهانة
- انتحار مراهق سعودي مطلع العام بسبب المثلية والتنمّر، إهانة
- خطاب الكراهية والتمييز القانوني والديني والإعلامي، إهانة
في ضوء هذه المفارقة، تتجدد الأسئلة حول طبيعة الخطاب الإعلامي في الخليج، وتحديدًا ما إذا كان يُستخدم كأداة للمواجهة السياسية بين الدول أو لمناقشة قضايا مجتمعية بجدّية واستقلالية.
السياق الإقليمي: حقوق المثليين بين الإنكار والهجوم
في حين أن بعض الدول بدأت تتحرك تدريجيًا نحو تخفيف القبضة على حرية الهوية الجنسية والجندرية، إلا أن معظم دول الخليج لا تزال تحتفظ بتشريعات تجرّم المثلية الجنسية، وتُفرض بموجبها عقوبات تصل إلى السجن أو الجلد أو حتى الإعدام.
وبحسب تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن مجتمع الميم في الخليج يواجه:
- الاعتقال التعسفي بناءً على المظهر أو الرسائل الهاتفية
- فحوص كشف العذرية أو “الكشف عن المثلية” القسري
- الحرمان من العلاج أو الدعم النفسي
- حملات تشهير إعلامي أو ديني منظمة
الرياضة بوابة للحقوق؟
تُعد استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، مثل كأس العالم، فرصة فريدة لفتح نقاشات حول الحقوق المدنية، وهو ما يشكّل تحديًا للدول المستضيفة التي تعاني من ملفات حقوقية شائكة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى التزام قطر بحقوق المثليين ضمن اتفاقيات الفيفا، كجزء من جهود دبلوماسية ناعمة لتحسين صورتها الدولية، وإن لم يُترجم ذلك بالضرورة إلى تغييرات تشريعية دائمة على أرض الواقع.
خاتمة: الإعلام حين يفتقد إلى المهنية
ما نشرته صحيفة عكاظ يسلط الضوء على مدى تسييس الخطاب الإعلامي في الخليج، خاصة عندما تتحول قضايا إنسانية مثل حقوق مجتمع الميم إلى أدوات للمزايدة السياسية بين الدول.
ومن الجدير بالذكر أن الإعلام المهني لا يقيس “الإهانة” بمقاييس أيديولوجية أو سياسية، بل بمدى احترامه للكرامة الإنسانية، أياً كانت الهوية أو التوجه.