في مشهد غير مسبوق يعكس التغيير التدريجي في المواقف الاجتماعية والسياسية تجاه التنوع الجنسي والجندري، شهدت العاصمة سراييفو، اليوم، أول مسيرة فخر للمثليين ومجتمع الميم في تاريخ البوسنة والهرسك، رغم التحديات الأمنية والاعتراضات التي سبقت الحدث. الحدث يمثل إنجازًا مهمًا في المنطقة، ويُعد خطوة شجاعة نحو الاعتراف العلني بحقوق الأقليات الجنسية والجندرية في مجتمع ما زال محافظًا إلى حد بعيد.
أول مسيرة فخر في البوسنة: من المنع إلى التحقق
بعد محاولتين فاشلتين خلال العامين الماضيين بسبب رفض السلطات منح التصاريح الأمنية اللازمة، حصل المنظمون هذا العام على موافقة رسمية لإجراء الفعالية، وسط إجراءات أمنية مشددة، وفي ظل متابعة من المنظمات الحقوقية الدولية.
وكان مفوض حقوق الإنسان بمجلس أوروبا قد دعا السلطات البوسنية إلى توفير الحماية الكاملة للمشاركين في المسيرة، وضمان عدم تعرضهم لأي تهديد أو عنف، مؤكدًا أن حرية التعبير والتجمع السلمي من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب الاتفاقيات الأوروبية.
إجراءات أمنية مشددة في وجه تهديدات متطرفة
ورغم موافقة السلطات على تنظيم المسيرة، فإنها سمحت أيضًا بإقامة احتجاجات معادية في نفس اليوم، ما أثار مخاوف من حصول اشتباكات أو أعمال عنف. وقد انتشر أكثر من 1000 شرطي في أنحاء العاصمة لضمان الفصل بين الطرفين وضمان سير الفعالية بسلام.
وصرّح أحد منظمي مسيرة الفخر في تصريح للإعلام المحلي:
“نحن هنا لنطالب بحقنا في الوجود، في الأمان، في أن نحب ونعيش بسلام. هذه ليست مجرد مسيرة، إنها خطوة نحو مستقبل أكثر عدلًا وشمولًا.”
رمزية المسيرة في بلد عاش الحرب والتفرقة
تُعد البوسنة والهرسك إحدى الدول الأوروبية التي عانت من الحروب الأهلية في التسعينيات، وهي ما تزال تواجه تحديات كبيرة على مستوى التعددية والعدالة الاجتماعية. ويأتي تنظيم هذه المسيرة في مجتمع محافظ وغالبية مسلم، ليُعد بمثابة كسر لحاجز الصمت حيال قضايا التمييز ضد مجتمع الميم.
ورغم الاعتراف القانوني بحقوق بعض الأقليات، إلا أن المثلية الجنسية لا تزال موصومة اجتماعيًا، والعديد من المثليين والمتحولين جنسيًا في البوسنة يتعرضون للتمييز والتهديدات في حياتهم اليومية، خاصة في المناطق الريفية.
دعم دولي ومشاركة نشطة من المجتمع المدني
حضر المسيرة عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين وممثلي المنظمات الحقوقية، في إشارة دعم رمزية للمجتمع المحلي. كما شارك فيها مئات من النشطاء المحليين والإقليميين الذين حملوا أعلام قوس قزح وشعارات تدعو إلى التسامح ووقف الكراهية والتنوع الجندري.
وكتب سفير الاتحاد الأوروبي في البوسنة تغريدة قال فيها:
“اليوم ساراييفو تنضم إلى العواصم التي تحتفل بالحب والمساواة. دعمنا لحقوق الإنسان غير مشروط.”
الأثر المستقبلي: بداية لحراك حقوقي جديد
يُتوقع أن تفتح هذه المسيرة بابًا جديدًا للحراك الحقوقي في البوسنة والهرسك، خصوصًا في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بسنّ تشريعات تحظر خطاب الكراهية والتمييز ضد مجتمع الميم، وتحمي حرية الهوية والتعبير الجندري.
ويُأمل أن تؤسس هذه المسيرة لمنصة سنوية يمكن من خلالها مناقشة التحديات الاجتماعية والقانونية التي يواجهها أفراد مجتمع الميم في المنطقة، والدفع نحو الاعتراف القانوني الكامل بهم.
خطوة صغيرة نحو عدالة أكبر
رغم ما واجهته من عقبات وتحديات، تبقى مسيرة الفخر الأولى في البوسنة والهرسك حدثًا رمزيًا يعكس صمود المجتمعات المهمشة وإصرارها على المطالبة بحقوقها الأساسية. إنها بداية، لا نهاية، لمسار طويل من النضال من أجل العدالة والكرامة والمساواة.