داعي عبد الله

وفاة الإمام المثلي داعي عبد الله عن 71 عامًا: صوتٌ سبّاق في الإسلام الكويري ومجتمع الميم المسلم

رحل الإمام الأميركي داعي عبد الله عن عمر 71 عامًا بعد مسيرةٍ فريدة كرّسها للدفاع عن شمولية الإسلام وكرامة المؤمنين/ات من مجتمع الميم.

وأعلن معهد مكة (MECCA Institute) خبر وفاته في بوغوتا عاصمة كولومبيا يوم 3 أغسطس/آب 2025، وانتشرت بيانات النعي من مؤسسات وشخصيات حقوقية، مُشيدةً برجل دينٍ «لطيفٍ وشجاع» قدّم تعليمًا وخدمةً روحية لمَن طالهم الإقصاء.

وربما يسمع كثيرون باسم داعي عبد الله لأول مرة اليوم: إمامٌ مثليٌّ جاهر بهويته، فتح بابًا جديدًا للمصالحة بين الإيمان والهوية الجندرية والميول الجنسية، وقدّم نموذجًا لعبادةٍ وتعليمٍ إسلاميَّين لا يُقصيان أحدًا.

من هو داعي عبد الله؟

وُلد في ديترويت عام 1954 باسم سيدني طومسون، في أسرة بروتستانتية جنوبية شجّعته على البحث الروحي بين تقاليد عدة قبل أن يعتنق الإسلام في الثلاثين من عمره.

درس الصينية والعربية بجامعة جورجتاون، ثم نال درجة الدكتوراه في القانون عام 1995 من كلية ديفيد أ. كلارك للقانون بواشنطن. لاحقًا تعمّق في الدراسات الإسلامية عبر إقاماتٍ ودراسةٍ في مصر والسعودية والأردن وسوريا.

في أواخر التسعينيات، بدأ يقدّم إرشادًا للمسلمين المثليين والترانس والكوير عبر مجموعاتٍ ومنتديات، قبل أن يتّسع نشاطه داخل منظماتٍ تقدّمية تدعم شمولية القراءة الإسلامية لكرامة الإنسان وحقوقه. 

إمامٌ مثلي صريح… ومخاطر الطريق

اكتسب داعي عبد الله مكانته بوصفه من أوائل الأئمة المثليين الصريحين في الولايات المتحدة، وقد دفع ثمن هذا الوضوح؛ إذ طُرد من «كلية الدراسات الإسلامية الاجتماعية» في فرجينيا عندما علمت الإدارة بهويته، لكنه واصل طريقه إمامًا ومعلّمًا داخل الولايات المتحدة وخارجها.

في محاضرته على منصة TEDx، يستند الإمام داعي عبد الله إلى عقودٍ من خبرته في الدراسات الإسلامية ليطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يوازن المسلم المعاصر بين العِلم (المعرفة الكتابية) والمعرفة الروحية/المعرفة الباطنية. يقدّم رؤية شمولية في تفسير القرآن والعلوم الشرعية، ويركّز على عقدية إسلامية تحررية تُعيد الاعتبار للرحمة والعدالة والتعددية. هذه المحاضرة تكشف عمق فكره وإصراره على صياغة إسلامٍ يستوعب كل المؤمنين/ات.

رسالته، وعمله، وخدمته الدينية

1) مسجد «نور الإصلاح» في واشنطن
عام 2011 أسّس فضاءً تعبديًا تقدّميًا مُرحِّبًا بالجميع في واشنطن العاصمة عُرف باسم «نور الإصلاح» (Light of Reform Mosque)؛ صُمّم كي تكون الصلاة فيه شاملة وغير إقصائية، مع مساواةٍ جندرية وبيئةٍ صديقة للكوير.

وتشير شهادات بحثية وتوثيقية إلى أن المجتمع كان «مختلط الصلاة، قائمًا على المساواة الجندرية، مرحّبًا داخل الطيف الإسلامي وبين الأديان»؛ أي إن الرجال والنساء (ولا ثنائيي/ات الجندر) يصلّون دون حواجز أو فواصل مانعة، وفي صفوفٍ متجاورة/متلاصقة، ويمكن للنساء المشاركة في القيادة الدينية، كما أن التلاوة والإمامة غير مقتصرة على الرجال، بل متاحة للجميع، وهو مبدأ تشجعه قراءات نسوية إسلامية عديدة ومتنوعة. 

2) «معهد مكة» للتعليم الإسلامي الشامل
في 2014/2015 أطلق معهد مكة منصّة تعليم وبحث إلكترونية تُوسّع «الإسلام التقدّمي» عبر مدرسةٍ وبرامج ونشرٍ ومجتمعٍ إلكتروني.

يوضّح الموقع أنه يعمل على «فتح الحوار بين مختلف الناس» وتعليم قراءاتٍ معاصرة للنصوص تُراعي القيم الكُبرى للرحمة والعدل والكرامة. وفي يناير 2025 حصل داعي عبد الله على جائزة Creating Change من «القوة الوطنية لمهام مجتمع الميم» اعترافًا بإسهاماته التعليمية والحقوقية. 

3) خدمات الدفن والزواج والإرشاد
أول عملٍ له كإمام كان أداء صلاة الجنازة لمسلمٍ مثلي تُوفي بمضاعفات الإيدز حين رفض آخرون القيام بها. ومنذ ذلك الحين يسر زيجاتٍ بين مسلمين مثليين كُثر وزيجاتٍ بين أتباع دياناتٍ إبراهيمية مختلفة، وبلغ عدد حفلات الزواج التي عقدها بحلول 2015 أكثر من 65 حفلًا، إلى جانب إرشاده عن بُعد لمسلمين/ات يعيشون في بلدانٍ تُجرّم المثلية. 

4) فكرٌ يَصِل النصّ بكرامة الإنسان
في مقابلاته وكتاباته أكّد داعي عبد الله أن مركزية الرحمة والعدل تُحتم قراءةً شاملة للنصوص، وأن المعايير الإسلامية في مجتمعاتٍ تعددية ينبغي أن تتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إطارًا أخلاقيًا جامعًا. وقد لخّص ذلك في كتابه «الإسلام التقدّمي: الأفكار الليبرالية الغنية في الإيمان الإسلامي» (2021)، الصادر عن مؤسسة مكة للنشر MECCA Institute Publishing

يقود الإمام داعي عبد الله — أول إمام مثلي صريح— مراسم زواج المثليين المسلمين، متحديًا السرديات التقليدية والسائدة داخل الإسلام وبين المسلمين، ومؤكدًا أن الإيمان يمكن أن يكون تعدديًا ومُرحّبًا بالجميع في تقرير أعدته BBC عربية ويعتبر من أوائل من قدم نظريات الإسلام الكويري للمنطقة.

شبكاته وعلاقاته المؤسسية

  • Muslims for Progressive Values – «مسلمون من أجل القيم التقدّمية»: منظمة غير ربحية تُرسّخ ثقافةً متجذّرة في حقوق الإنسان عبر التعليم العام والمناصرة والفنون؛ شغل عبد الله أدوارًا فيها (منها إدارة التواصُل مع مجتمع الميم). للمؤسسة صفحة عربية تُعرّف بمهمتها وقيمها.
  • تحالف المسلمين للتنوّع الجنسي والجندري (MASGD): تأسّس 2013 في الولايات المتحدة (من نواة «مجموعة العمل للمسلمين الكوير») لدعم وتمكين وربط المسلمين/ات الكوير، وينظم ملتقى المسلمين الكوير السنوي ويقدّم موارد وبرامج دعم. شارك عبد الله في هذه الشبكات منذ بداياتها.
  • Creating Change – «صناعة التغيير»: مؤتمر سنوي تنظيمي/تدريبي تُقيمه «National LGBTQ Task Force» ويُعدّ منصة مركزية لاكتساب مهارات العمل المجتمعي وبناء الشبكات؛ نال فيه عبد الله جائزة تكريمية عام 2025.

«الإسلام الكويري» وأثره العالمي

وفّر داعي عبد الله — عبر المسجد، والتعليم، والاستشارات العابرة للحدود — مساحةً مرئية وملموسة لما يُعرف بـ«الإسلام الكويري»: عبادةٌ ومرافقةٌ روحية تُثبت أن الإيمان لا يتناقض مع الهوية، وأن النص يحتمل قراءاتٍ رحيمة وعادلة.

امتد تأثيره إلى قاراتٍ عدّة من خلال خطاباتٍ ومؤتمراتٍ ودوائر نقاش، ووُصِف بعد وفاته بأنه «لطيف وشجاع وكريم العطاء» — أوصاف تتكرر في مراثٍ وشهادات نُشرت عقب رحيله. 

إرثه لمجتمع الميم المسلم وللمسلمين عمومًا

أعاد داعي عبد الله صياغة السؤال: بدلاً من «هل يمكن أن تكون مسلمًا ومثليًا؟» إلى «كيف نصنع مساحاتٍ آمنة تمنح الجميع كرامتهم؟».

ترك وراءه مؤسساتٍ قائمة، وخطابًا معرفيًا مُفصّلًا، ونماذجَ عملية لزواجاتٍ وصلواتٍ واستشاراتٍ صنعت فارقًا في حياة آلاف. وبوفاته يخسر التيار التقدّمي أحد أبرز أعمدته، لكن «المدرسة» التي أطلقها — من مسجدٍ مُرحِّب إلى معهدٍ يُكوِّن قياداتٍ شاملة ومتنوعة تراعي قراءة ومعرفة التراث الديني الإسلامي بعين ناقدة من منظور كويري — تَعِد باستمرار الإرث. 

سياقٌ إقليمي: شمال أفريقيا وغرب آسيا

في منطقتنا، ما زالت القوانين والممارسات الاجتماعية في بلدانٍ عدّة تُجرّم أو تَوصم العلاقات المثلية وتضيّق على المبادرات الإسلامية الشاملة.

لذلك تُقرأ سيرة داعي عبد الله بوصفها مصدر أملٍ وتمثيلٍ و«دليل إمكان»: أن تتشكّل مساحاتٌ إسلاميةٌ لا تُقصي أحدًا.

كما تُذكّرنا أحداث بداية العام الجاري باغتيال الإمام الجنوب أفريقي محسن هندريكس، أحد أوائل الأئمة المثليين الصريحين — بأن الطريق إلى الاعتراف والحماية ما زال طويلًا، وأن حماية الأرواح وحقوق المؤمنين/ات المختلفين/ات جزءٌ أصيل من معركة الكرامة الدينية.

رحل داعي عبد الله جسدًا، لكن أثره باقٍ في كل صلاةٍ مختلطة كسرت الحواجز، وفي كل بيتٍ جمع شريكين/شريكتين تحت سقفٍ شرعي واحد، وفي كل مؤمن/ةٍ استعاد/ت صِلته بالله بعيدًا عن الخوف.

رسالته الضمنية واضحة: الإسلام ليس سجنًا، بل أفقٌ للرحمة والعدل. وبينما تمضي مجتمعاتنا في حواراتٍ صعبة ومثقلة ومقيدة حول الدين والهوية، سيبقى إرثُه منارةً تُذكّر بأن «الإسلام الكويري» عودةٌ إلى جوهرٍ قرآنيٍّ وتراثي تعددي يضع الإنسان — أيّ إنسان — في مركز الكرامة والحقوق والمساواة.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.