مجتمع الميم

كيف يتقاطع تراجع الديمقراطية مع صعود قمع مجتمع الميم حول العالم؟

تحليل يشرح كيف تُسخِّر الأنظمة السلطوية قضايا مجتمع الميم (LGBTQ) لترسيخ الاستبداد، ولماذا يصون الدستور والقضاء المستقل هذه الحقوق.

شبكات عابرة للحدود تُغذّي حملات الكراهية المحلية

تتداخل اليوم شبكات دينية محافظة، وناشطون، وممولين، وحكومات بينها روسيا، مع الجهود الداخلية لمناهضة قضايا مجتمع الميم (LGBTQ).

فقد أظهر تقرير حديث للمنتدى البرلماني الأوروبي للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية (EPF) أن أكثر من 275 منظمة أنفقت نحو 1.18 مليار دولار خلال 2019–2023 لدعم أجندات «مناهِضة للنوع الاجتماعي/الجندر» داخل أوروبا.

وتُقدّم هذه الشبكات، عند انطلاق أي حملة محلية، حزمًا جاهزة: رسائل ودعايا تركز على «حماية الأسرة»، ومسودات قوانين، ودعمًا قانونيًّا، وبرامج تدريب.

وغالبًا ما تحشد الفاعلين المحليين خلف تهديد مصطنع يُسمّى «أيديولوجيا النوع الاجتماعي (gender ideology)»—وهو مصطلح فضفاض استخدمه الفاتيكان قديمًا لتأطير النسوية وحقوق مجتمع الميم بوصفها إملاءً أجنبيًّا على «الأغلبية» الديمقراطية. 

في أوغندا عام 2023، وقّع الرئيس يوري موسيفيني (Yoweri Museveni) قانونًا شديد القسوة يفرض السجن المؤبد على العلاقات المثلية وعقوبة الإعدام على تهمة جديدة تحمل اسم «المثلية المُشدَّدة»، والمعرّفة بحالات تشمل قصّرًا، أو أشخاصًا ذوي إعاقة أو إعاقات عقلية، أو المصابين بفيروس نقص المناعة (HIV)، أو مَن لديهم إدانات سابقة على خلفية القانون نفسه.

وتفيد تغطيات موثوقة بأن مشرّعين أوغنديين تلقّوا مشورةٍ من مجموعات أمريكية محافظة خلال بلورة النصوص والرسائل العامة.

الإنذار المبكر: عندما يلتقي خطاب الكراهية بتراجع الديمقراطية

تظهر الجهود الهادفة لتقويض حقوق مجتمع الميم غالبًا متلازمةً مع أهداف استبدادية أخرى. دراسةٌ صدرت في 2023 عن معهد وليامز (Williams Institute) بمدرسة القانون في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)—غطّت بيانات 175 بلدًا بين 1981 و2020—وجدت ارتباطًا قويًّا بين توظيف الحكومات لخطابات/سياسات معادية لأفراد مجتمع الميم وبين مؤشرات التراجع الديمقراطي مثل التضييق على الإعلام المستقل أو قمع حرية التجمع السلمي. 

ورغم أن القبول الاجتماعي لحقوق مجتمع الميم يتزايد عالميًا، إلا أن الأنماط على مستوى البلدان أكثر تعقيدًا: الأكثر قبولًا تزداد قبولًا، والأقل قبولًا تزداد عداءً، فيما تقف الوسط بلا تغيير يُذكر. هذا التباين يُنتِج تربةً خصبةً للسياسيين الانتهازيين الذين يوظفون الهواجس والذعر المجتمعي الأخلاقي من أجل حشد مؤيديهم وقواعدهم وتمرير أجندات استبدادية. وقد خاض الرئيس البولندي أندري دودا (Andrzej Duda) انتخابات 2020 على قاعدة مهاجمة ما سمّاه «أيديولوجيا مجتمع الميم»، واصفًا إياها بأنها «أكثر تدميرًا للمجتمع من الشيوعية»—فيما يشبه شيطنة فئة اجتماعية كاملة لأغراض انتخابية تستغل الذعر الأخلاقي والخرافات والصور النمطية المنتشرة عن مجتمع الميم. 

المجر نموذجًا: تشريعات متصاعدة وأدوات مراقبة

منذ 2021، دفع رئيس الوزراء فيكتور أوربان (Viktor Orbán) بحزمة إجراءات ضد مجتمع الميم، من تضييق الاعتراف القانوني بالنوع الاجتماعي للأشخاص الترانس إلى تقييد التبنّي للأزواج من الجنس نفسه، تحت شعار «الحفاظ على القيم التقليدية» في مواجهة «عولمة» الاتحاد الأوروبي.

وفي مارس/آذار 2025 أقرّ البرلمان قانونًا يحظر فعليًّا تنظيم فعاليات الفخر (Pride) ويمنع «عرض/ترويج» أي مواد تُظهر المثليين للقاصرين، مع السماح للسلطات باستخدام تقنيات مقلقة مثل التعرّف على الوجوه والبيانات البيومترية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد المشاركين وتغريمهم. وقد اعتبر خبراء ونشطاء أن هذه المنظومة تتعارض مع قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي وحماية البيانات، كما أنها قد يُساء استخدامها في استهداف الأفراد المعارضين والنشطاء تحت ذرائع مختلفة. 

من «العملاء الأجانب» إلى «الدعاية»: روسيا توطّد البنية القمعية

في روسيا، كانت منظمات مجتمع الميم من أوائل المستهدفين بموجب قانون «العملاء الأجانب» (2012) الذي كبّل منظمات المجتمع المدني متلقّية التمويل الأجنبي المنخرطة في «نشاط سياسي» فضفاض التعريف.

وتُوّج هذا المسار بقانون «الدعاية للمثلية» عام 2013، والذي زعم آنذاك أنه يحمي الأطفال والقُصر بحظره ظهور أي مواد تُظهر المثليين، ووُسِّع في 2022 ليشمل جميع الأعمار، ثم تبعه تصنيفات طالت حركة ومنظمات مجتمع الميم على أنها «إرهابية» في 2023—ما أسس لأداة قانونية وأمنية لقمع أوسع لحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. 

إندونيسيا: ذعر أخلاقي يتسع إلى قوانين دائمة

منذ 2016، ساد «هلع أخلاقي» ضد مجتمع الميم في إندونيسيا، رافقته مداهمات ومراقبة رقمية وتوسّع في الرقابة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، أقرّ البرلمان قانونًا جنائيًّا جديدًا يجرّم الجنس خارج الزواج ويتيح أدوات رقابية تُستخدم في تقييد حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي—بتبعات واقعية على الأقليات، وخصوصًا مجتمع الميم. استمرّت بعدها حملات المداهمة والاحتجاز بذريعة «الآداب» و«مكافحة الإباحية». 

الولايات المتحدة: اتساع الفجوة بين الرأي العام والسياسات التنفيذية

على الرغم من أن غالبية الأمريكيين تؤيد قوانين تحمي من التمييز في العمل والسكن والخدمات، تحوّلت حقوق الترانس إلى قضيّة استقطابية في دورة انتخابات الرئاسية 2024. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، تحوّل الخطاب ضد «أيديولوجيا الجندر» إلى أوامر تنفيذية رئاسية وسياسات فيدرالية:

  • حظر خدمة الأشخاص الترانس علنًا في الجيش بموجب أمر تنفيذي 14183، مع سجال قضائي لاحق.
  • تقييد الرعاية الطبية الداعمة للعبور الجنسي للقاصرين على المستوى الفيدرالي.
  • سحب التمويل الفيدرالي من مؤسسات تعليمية تسمح بمشاركة النساء والفتيات الترانس في رياضاتهن.
  • إعادة تعريف «النوع» ثنائيًّا في توجيهات فيدرالية ذات صلة بالرياضة والتعليم والبيانات—مع طعون قضائية مستمرة.
  • منع رفع أعلام الفخر (Pride) في السفارات والقنصليات («سياسة علم واحد وهو علم البلاد فقط»).
  • الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (UNHRC) ضمن مراجعة التزامات الولايات المتحدة تجاه منظمات دولية.
  • تقليص جذري لتغطية حقوق مجتمع الميم والنساء في التقارير السنوية لحقوق الإنسان الصادرة عن الخارجية الأمريكية، ضمن إعادة هيكلة واسعة لقطاع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه الإجراءات لا تستهدف مجتمع الميم فحسب، بل توسّع التحكّم الفيدرالي في الجامعات ومزوّدي الرعاية والوكالات الرقابية، وتُضعف أدوات السياسة الخارجية الأمريكية التي دعمت تاريخيًا حقوق مجتمع الميم كجزء من دعم حقوق الإنسان عالميًّا.

تقدّم غير متساوٍ عالميًّا… لكنه حقيقي

على مدى عقدين، تحقق تقدّم متدرّج في حقوق مجتمع الميم عالميًّا:

  • الهند (2018) ألغت تجريم العلاقات المثلية (Navtej Singh Johar v. Union of India).
  • ناميبيا (2024) أبطلت المحكمة العليا تجريم «اللواط».
  • الزواج المتساوي بات قانونيًا في ما لا يقل عن 38 بلدًا حتى 2025، بينها اليونان (2024) وتايلند (2024/2025).
  • الأرجنتين (2012) شرّعت قانون الهوية الجندرية الذي يتيح تعديل الوثائق القانونية للترانس من دون اشتراط إجراءات طبية مُنهِكة.
  • كوستاريكا (2020) أقرت الزواج المتساوي استنادًا إلى الرأي الاستشاري OC-24/17 الصادر عن محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان.
  • الإكوادور ومالطا رسّختا سياسات عدم التمييز الشاملة في مؤسسات الدولة والتعليم والعمل والتي تحمي أفراد مجتمع الميم.

تترسّخ حقوق مجتمع الميم حين تُدرج ضمن دستور البلاد (تُدستَر) أو تُسنّ في تشريعات شاملة، وتُطبَّق بقضاء مستقل، ومجتمع مدني حر، وإسناد إقليمي/دولي—وكلما ازدادت متانة وديمقراطية مؤسسات الدولة والبلاد، تحسّنت حماية حقوق مجتمع الميم ضمن تحسن حماية حقوق الإنسان بشكل شامل.

كيف تُمهّد القيود على مجتمع الميم لقيود أوسع على الحريات والحقوق؟

عادةً ما يتبع مسارٌ مألوف: تبدأ السلطات بتأطير مجتمع الميم كـ«تهديد» لتبرير قيود متزايدة على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي. وحالما تُطبّق، تُنتج هذه القيود أُطُرًا قانونية وتسامحًا اجتماعيًّا تدريجيًا لقيود أوسع على الحريات المدنية والصحافة ومنظمات المجتمع المدني—كما في روسيا وإندونيسيا أعلاه. 

وفي غانا، تراجعت ضمانات الاستقلال الإعلامي والثقة القضائية خلال الأعوام الأخيرة، وفي هذا المناخ أقرّ البرلمان في فبراير/شباط 2024 مشروع قانون يُجرّم كون الشخص من مجتمع الميم والدعم العلني لحقوق مجتمع الميم؛ غير أن دخوله حيّز النفاذ واجه طعونًا وإجراءات قضائية لاحقة. 

تراجع الحقوق: عندما تتآكل الضمانات المؤسسية

في بلدان عديدة، تحققت مكاسب مجتمع الميم عبر مسارات مؤسسية في بيئات ديمقراطية أو ديمقراطية ناشئة: دساتير تضمّنت معايير حقوقية دولية، ومحاكم دستورية أرست سوابق للزواج المتساوي أو التبنّي المشترك أو عدم التمييز في العمل (كحال كولومبيا والمكسيك والولايات المتحدة). كما ضغطت شبكات عابرة للحدود على المسؤولين عبر آليات إقليمية—من محكمة الدول الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن تآكل الديمقراطية والحريات وتزايد الاستبداد والسلطوية أوجدوا بيئة ملائمة لسن قوانين قمعية جديدة أو التراجع عن المكاسب الحقوقية السابقة.

وفي الاتحاد الأوروبي، مكّن اعترافه بحقوق مجتمع الميم ناشطين في المجر وبولندا من دعوة المفوضية الأوروبية لمعاقبة الحكومات على الإجراءات التمييزية؛ وقد أجبر تهديد وقف التمويل الأوروبي مع ضغط محلي العديد من البلديات البولندية التي أعلنت نفسها «مناطق خالية من مجتمع الميم» على التراجع. 

الصمود: ما الذي يحمي الحقوق من الارتداد؟

أفضل رهان طويل الأمد هو تحصين الحقوق في الدساتير أو في تشريعات شاملة، إلى جانب حملات اجتماعية تؤكد الكرامة والمواطنة المتساوية للجميع بما فيهم مجتمع الميم.

ففي جنوب أفريقيا (1996) صمدت الحماية الدستورية على أساس التوجّه الجنسي أمام تحديات سياسية ومعارضة اجتماعية.

وفي إسبانيا وأوروغواي والدول الإسكندنافية (الدنمارك، وأيسلندا، والنرويج، والسويد)، ترسّخت الحماية عبر عقود من قوانين المساواة في الزواج وعدم التمييز، ما طَبَّع حقوق مجتمع الميم عبر الاصطفافات والتنوعات الحزبية والسياسية.

على المستوى الإقليمي، تُتيح مؤسسات مثل محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي أدوات مفصلية حين تضيق المسارات الوطنية.

ففي كوستاريكا، حسم الرأي الاستشاري لعام 2017 مسألة الاعتراف القانوني بالأزواج من الجنس نفسه، فأُقِرّ الزواج المتساوي في 2020 رغم معارضة محلية. 

أمّا في السياقات التي تتعرّض فيها الحقوق لتهديد مباشر، فعلى المدافعين بناء ائتلافات عابرة للقطاعات تربط حقوق مجتمع الميم بقضايا الحكم الرشيد ومكافحة الفساد والتنمية الاقتصادية والمساواة بين الجنسين—بما يوسّع قاعدة المؤيدين ويُصعّب شيطنة مجتمع الميم بوصفه «تهديدًا للتقاليد والقيم».

وقد أظهر الحشد الشعبي الواسع في بودابست عام 2025، حيث شارك أكثر من 100 ألف مواطن في مسيرة الفخر المحظورة، دفاعًا عن الحريات الفردية وحقوق الإنسان، مما أجبر الحكومة على الرضوخ وعدم تطبيق التهديدات الموعودة.

حماية الحقوق تعني أيضًا حماية الديمقراطية

يُعزّز تراجع الديمقراطية والهجوم على حقوق مجتمع الميم أحدهما الآخر في حلقة مفرغة تقوّي قبضة السلطوية والاستبداد: يوظّف القادة المستبدين الانقسام حول قضايا مجتمع الميم لبناء تحالفات انتخابية وتقويض القضاء والإعلام والمجتمع المدني—ثم تُستخدم هذه البنية المُقوَّضة لتمرير قيود أوسع على الحريات الفردية وحقوق الإنسان.

وعندما تضعف الضمانات الديمقراطية، تخسر حقوق مجتمع الميم غطاءها الوقائي وتُصبح أكثر هشاشة أمام الهجوم.

ضمان قدرة أفراد مجتمع الميم على العيش بأمان والتمتع بفرص متكافئة يتطلّب الدفاع عن حقوقهم وترميم المؤسسات الديمقراطية التي تصونها في آنٍ معًا—فلا وقت نُهدره فيما التراجع الديمقراطي يتسارع حول العالم. 

نبذة موجزة عن الكاتب والمصدر

هذا النص العربي مُستندٌ إلى مقال آري شو (Ari Shaw) المعنون:
“The Global Threat to LGBTQ Rights – The fate of legal protections is tied to the fate of democracy”، والمنشور عبر معهد ويليامز بمدرسة القانون في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس، في يوليو 2025. تمّت مواءمة الأفكار والتحليلات لتلائم القارئ العربي مع الحفاظ على البنية الحجاجية والأدلّة الأساسية.

آري شو باحثٌ في قضايا حقوق الإنسان الدولية وسياسات مجتمع الميم/الترانس؛ يشغل منصب زميل أقدم ومدير البرامج الدولية في معهد ويليامز. سبق أن عمل في Columbia World Projects وعدد من المؤسسات البحثية والحقوقية، ويحمل دكتوراه في العلوم السياسية من Northwestern، وماجستير علاقات دولية من LSE، وبكالوريوس في الحكومة من Harvard.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.