هل المثلية موجودة فقط بين البشر؟ العلم يقول لا. فالمحيطات مليئة بكائنات بحرية تمارس سلوكًا مثليًا بشكل طبيعي، وتبني علاقات عاطفية وجنسية بين أفراد من نفس الجنس، بعيدًا عن أي تدخل بشري أو تأثير ثقافي.
في هذا المقال، نستعرض 10 كائنات بحرية تكشف عن المثلية والتنوع الجنسي في عالم البحار، من الدلافين التي تبني روابط طويلة الأمد مع ذكور أخرى، إلى نجمات البحر ثنائية الجنس، والحيتان التي تمارس الجنس بين الذكور بشكل موثّق علميًا. حيث تظهر الكائنات البحرية تنوّعًا مذهلًا في طرق التعبير عن الحب والرغبة والانتماء.
هذا التنوع لا يُظهر فقط أن المثلية ليست شذوذًا أو استثناءً في الطبيعة، بل يؤكد أنها جزء طبيعي من النسيج البيولوجي للحياة على كوكب الأرض — حتى في أعماق المحيطات. وربما لو كان بوسع هذه الكائنات الاحتفال، لكانت رفعت علم قوس قزح بكل فخر.
السلوك الجنسي بين الجنس الواحد (المثلية): ماذا يقول العلم؟
تُظهر الدراسات الحديثة، ومنها كتاب “الوفرة البيولوجية” لعالم الحيوان بروس باجمهل، أن السلوك المثلي منتشر في أكثر من 1500 نوع من الحيوانات، منها العديد من الكائنات البحرية. سواء كان ذلك في إطار اللعب الجنسي، أو تكوين روابط عاطفية طويلة الأمد، أو حتى تربية مشتركة للصغار، فإن هذه السلوكيات تتحدى كل ما قيل عن أن المثلية “غير طبيعية”.
بحسب دراسة منشورة في مجلة Nature Communications عام 2023، فإن “السلوك المثلي شائع في المملكة الحيوانية ويؤدي أدوارًا اجتماعية وتطورية عديدة”. وهذا ما نراه بشكل خاص في أعماق المحيطات.
أمثلة من أعماق البحر: كائنات بحرية كويرية تفخر بحبّها المختلف
الدلافين: الرقة والازدواجية والالتزام
الدلافين (Bottlenose Dolphins) من أكثر الكائنات شهرةً في السلوك المثلي. تشكل الذكور في مرحلة الشباب مجموعات تضم علاقات جنسية وعاطفية مع بعضها البعض، وقد تستمر بعض هذه الروابط مدى الحياة. يحمون بعضهم البعض، ينامون ويتغذّون معًا، ويدعمون الشريك في حالات المرض — علاقة أقرب ما تكون إلى “زواج مثلي” في المحيط.

الحيتان الرمادية (Grey Whales) والحدباء (Humpback Whales): اللمس واللذة والتواصل
وثّق العلماء حالات ممارسة جنسية بين ذكور الحيتان، كان أبرزها اختراق واضح بين حوتين أحدهما مصاب، ما قد يدل على رعاية عاطفية أو سلوك جنسي مباشر. الحيتان لا تخجل من إظهار مشاعرها، وتُعرف بجلسات طويلة من التفاعل الجسدي والتواصل الحميم.


فقمات الميناء (Harbour Seals) وخراف البحر (West Indian Manatees): الغزل المثلي والاتصال الجسدي
لوحظ أن ذكور الفقمات تتدحرج معًا وتعتنق بعضها البعض، متبادلة الأدوار في عملية التزاوج المثلي. أما خراف البحر، فتمارس “الألعاب الجنسية” بنفس الجنس لفترات أطول بكثير من العلاقات المغايرة، وتتضمن تواصلًا جسديًا معقّدًا بين الفم والزعانف والجسد.


الحيتان القاتلة (Orcas/Killer Whales): ذكور مراهقون وعلاقات موسمية
تشكل ذكور الأوركا مجموعات “شبابية” خلال فترات معيّنة، حيث يتشاركون القفز والسباحة والاحتكاك الجنسي الواضح، بما في ذلك عرض الأعضاء التناسلية. بعض الذكور يكون لهم “شريك مفضل” يتكرر اللقاء معه كل موسم.

المصدر: Sanvito, S., & Galimberti, F. (2022). Same-Sex Socio-Sexual Interactions in Male Killer Whales (Orcinus orca). Aquatic Mammals, 48(6), 561–574.

البطاريق: الحب المثلي وتربية الصغار
تم توثيق علاقات بين بطاريق من نفس الجنس، أشهرها ثنائي ذكر في أستراليا قاما بتبني بيضة وتربية الفرخ معًا. هذا السلوك ليس نادرًا، ويظهر أن الأسرة لا تُبنى فقط على أساس المغايرة.

نجمات البحر (Sea Stars) وفرس البحر (Seahorses): جنس، لا يعرف الثنائيات
نجمات البحر تمتلك أعضاء تناسلية مزدوجة، ولا تتقيد بجنس بيولوجي واحد. أما فرس البحر، فالذكور هم من يحملون البيوض، ومعظم الأنواع تُظهر سلوكًا مزدوج الميول الجنسية (بايسكشوال)، حيث يكونون علاقات مع الإناث والذكور على حد سواء.


أسماك المهرج (Clownfish): التحول الجنسي والقيادة الأنثوية
أسماك المهرج ليست فقط نجمات سينمائية بفضل فيلم “البحث عن نيمو Finding Nemo“، بل هي أيضًا من أكثر الكائنات البحرية التي تتحدى المفاهيم التقليدية للجندر. جميع أسماك المهرج تولد ذكورًا، وتعيش ضمن مجموعات صغيرة تهيمن عليها أنثى واحدة. في حال موت هذه الأنثى، يتحوّل أكبر الذكور حجمًا إلى أنثى — في عملية بيولوجية مذهلة تُعرف باسم “التحول الجنسي المتسلسل” (Sequential Hermaphroditism).
هذا التحوّل لا يغيّر فقط الوظيفة التناسلية، بل يشمل أيضًا تغيّرات سلوكية وهرمونية كاملة، ليصبح الذكر السابق هو القائد الجديد للمجموعة. في هذا النموذج الطبيعي، نرى أن الجندر ليس ثابتًا بيولوجيًا، بل يمكن أن يتغير حسب السياق الاجتماعي داخل المجموعة — مما يطرح سؤالًا عميقًا حول الطبيعة المرنة للهوية الجندرية في الكائنات الحية.
هذا التحوّل لا يغيّر فقط الوظيفة التناسلية، بل يشمل أيضًا تغيّرات سلوكية وهرمونية كاملة، ليصبح الذكر السابق هو القائد الجديد للمجموعة. في هذا النموذج الطبيعي، نرى أن الجندر ليس ثابتًا بيولوجيًا، بل يمكن أن يتغير حسب السياق الاجتماعي داخل المجموعة — مما يطرح سؤالًا عميقًا حول الطبيعة المرنة للهوية الجندرية في الكائنات الحية.

أسماك الراس (Wrasse Fish): من أنثى إلى ذكر في أيام
أسماك الراس، وخاصةً الأنواع مثل bluehead wrasse وAsian sheepshead wrasse، تُعد من أبرز الأمثلة على السيولة الجندرية في عالم البحار. تولد هذه الأسماك كإناث، وتعيش ضمن مجموعات تقودها ذكر واحد مهيمن. وعندما يغيب هذا الذكر — سواء بالموت أو الابتعاد — تقوم الأنثى الأكثر سيطرة بالتحوّل إلى ذكر، في غضون 10 إلى 20 يومًا فقط.
خلال هذا التحول، تتغيّر الأعضاء التناسلية والصفات السلوكية وحتى المظهر الخارجي. وتُعتبر هذه الآلية وسيلة فعالة لضمان استمرار التوازن الاجتماعي والتكاثر داخل المجموعة. هنا مرة أخرى، تُظهر الطبيعة أن التقسيم الصارم بين الذكر والأنثى ليس هو القاعدة، بل أن المرونة الجندرية قد تكون هي الأساس في الكثير من الأنواع.

لماذا يهمنا هذا؟ تفكيك الأساطير حول “الطبيعة”
لطالما استخدمت المجتمعات المحافظة حجة “الطبيعة” لمهاجمة المثلية، باعتبارها “ضد الفطرة”. لكن الطبيعة نفسها — كما تُظهرها الحيتان والدلافين ونجمات البحر — تكشف العكس تمامًا: التنوع الجنسي والجندري جزء أصيل من الحياة على الأرض وفي أعماق البحر. كما أشار علماء في جمعية علوم البحار الاسكتلندية: “ليس هناك مجال للنقاش عندما ترى عضوًا ذكريًا طوله متران يخترق حوتًا آخر — هذا سلوك جنسي واضح.”
بين العلم والأساطير: من علم الأحياء إلى التراث الكويري
تتحدى الكائنات البحرية أيضًا السرديات الذكورية في العلوم، كما تبيّن مقالة “Turning the Tide: A Queer Look at the Orca” التي تسلط الضوء على كيفية إسقاط العلماء لنموذج الأسرة النووية الذكورية على مجتمعات الأوركا، رغم أنها في الواقع مجتمعات أمومية تقودها إناث مسنّات. بل إن بعض القصص الشعبية لدى الشعوب الأصلية في كندا تصف علاقة حب بين أنثى أوركا وأنثى طائر بحري، أنجبتا معًا أنثى أخرى، تحمل علامات جسدية مزدوجة — قصة أسطورية بامتياز، لكنها تحمل رمزية كبيرة عن الحب بين النساء.
التنوع طبيعي، والحب لا يعرف حدودًا
في أعماق البحر، الحب لا يخضع لقواعد المجتمع أو دين أو قانون. لا يوجد تمييز بين “طبيعي” و”غير طبيعي” في عوالم الكائنات البحرية. من لعب الدلافين، إلى تقبيل الأوركا، إلى أنثى تقود مجموعة من الحيتان لسنوات، تؤكد الطبيعة أن الكويرية ليست انحرافًا عن القاعدة، بل جزء من النسيج الحيوي لكوكبنا.
فلنحتفل بهذا التنوع في كل لحظة.