بابا الفاتيكان

بابا الفاتيكان يستقبل أب كاثوليكي بارز في خدمة مجتمع الميم

في خطوة لافتة تعكس استمرارية نهج البابا فرنسيس في تعزيز الانفتاح تجاه مجتمع الميم داخل الكنيسة الكاثوليكية، التقى البابا ليو الرابع عشر، يوم الإثنين 1 سبتمبر 2025، بالكاهن اليسوعي الأمريكي الأب جيمس مارتن، أحد أبرز المناصرين لدمج الكاثوليك المثليين والترانس ضمن الرؤية الرعوية للكنيسة.

لقاء رسمي يبعث برسائل رمزية

جاء اللقاء الذي دام نحو نصف ساعة في القصر الرسولي بالفاتيكان، وتم إدراجه بشكل رسمي ضمن جدول مواعيد البابا، ما اعتبره مراقبون إشارة واضحة إلى رغبة البابا ليو في جعل اللقاء علنيًا ورسميًا، لا سيما أنه يأتي قبل أيام فقط من انطلاق حجّ كبير لمجتمع الميم الكاثوليكي إلى الفاتيكان ضمن فعاليات سنة اليوبيل.

البابا ليو الرابع عشر والأب جيمس مارتن

الأب مارتن، مؤسس منصة “أوتريتش” (Outreach) الداعمة لمجتمع الميم الكاثوليكي، صرّح عقب اللقاء لوكالة Associated Press: “سمعت من البابا ليو نفس الرسالة التي سمعتها من البابا فرنسيس: الرغبة في الترحيب بالجميع، بمن فيهم أفراد مجتمع الميم. لقد كان لقاءً مشجعًا ومليئًا بالأمل.”

حديث شخصي ولقاء مفعم بالارتياح

أوضح مارتن أن الحديث مع البابا تناول عدة مواضيع، أبرزها حرص ليو على تعزيز السلام في العالم، ولا سيما في أوكرانيا، غزة، وميانمار. وأشار إلى أن ليو يطمح إلى تحقيق السلام والوحدة داخل الكنيسة وفي العالم بأسره.

ووصف البابا بأنه كان “مرتاحًا، هادئًا ومبتهجًا”، مشيرًا إلى أنهما تبادلا الضحك مرارًا، وأضاف: “شعرت وكأننا عدنا إلى طاولة السينودس”، في إشارة إلى مشاركتهما سويًا في جلسات سينودس من أجل مستقبل الكنيسة عامي 2023 و2024، حين كان ليو يُعرف بالكاردينال روبرت فرانسيس بريفوست.

في ختام اللقاء، قدّم الأب مارتن للبابا أيقونتين من اللواتي كانتا معلّقتين في مصلى الإرسالية اليسوعية في بوسطن: “المسيح واهب الحياة” و”سيدتنا السريعة السماع”. بينما أهداه البابا ليو مسبحات، وبطاقات صلاة، وبركته البابوية.

استمرارية لنهج البابا فرنسيس

البابا فرنسيس، الذي توفي في أبريل 2025 بعد 12 عامًا من البابوية، عُرف بمواقفه المرحبة تجاه أفراد مجتمع الميم، بدءًا من عبارته الشهيرة عام 2013 “من أنا لأحكم على مجتمع الميم؟”، وصولًا إلى قراره التقدمي عام 2023 الذي سمح للكهنة بمنح بركات خاصة للأزواج المثليين خارج السياق الليتورجي.

رغم الانتقادات الشديدة التي وُجهت له من قبل تيارات كاثوليكية محافظة، إلا أن فرنسيس أصرّ على أن الكنيسة يجب أن تكون “بيتًا مفتوحًا للجميع”. وقد التقى بالأب مارتن في أكثر من مناسبة، وعيّنه مستشارًا في دائرة الاتصالات بالفاتيكان وعضوًا في سينودس الكنيسة حول مستقبلها.

من اللقاءات السينودسية إلى اللقاء البابوي

تعود معرفة البابا ليو بالأب مارتن إلى جلسات السينودس، حيث جلسا على نفس الطاولة خلال اجتماع أكتوبر 2024. وفي هذا السياق، قال مارتن: “من الواضح أن البابا ليو يعتزم مواصلة مسار السينودس والانفتاح”.

اللقاء الأخير كان الأول منذ انتخاب ليو بابا في مايو 2025، لكنه جاء تتويجًا لعلاقة مبنية على سنوات من العمل المشترك.

خلفية اللقاء ومكانته الرمزية

المكان الذي عُقد فيه اللقاء – مكتبة القصر الرسولي – هو ذاته الذي يستقبل فيه البابا رؤساء الدول والمنظمات الدولية، والكرادلة، وقادة الأديان العالمية، وهو ما يُضفي على اللقاء بعدًا دبلوماسيًا ورسميًا هامًا.

وقد عُدّ اختيار هذا المكان، ونشر الخبر رسميًا في وسائل الإعلام الفاتيكانية، بمثابة تصريح ضمني على دعم البابا ليو لخدمة الأب مارتن مع الكاثوليك المثليين والترانس والكويريين ومن مجتمع الميم.

موقف لافت من بابا الفاتيكان

عقب انتخابه في مايو 2025، أثيرت تساؤلات حول موقف البابا ليو من قضايا مجتمع الميم، خاصة بعد تداول تصريحات قديمة له تعود إلى عام 2012 حين وصف ما سماه “نمط حياة المثليين” بأنه لا يتماشى مع التعاليم الكاثوليكية.

لكن عند تعيينه ككاردينال عام 2023، صرّح لوسائل إعلام كاثوليكية أن البابا فرنسيس “كان واضحًا في دعوته لعدم استبعاد أي شخص بناءً على اختياراته الحياتية”، مضيفًا: “نحن نسعى لأن نكون أكثر انفتاحًا وترحيبًا. جميع الناس مرحب بهم في الكنيسة.”

حجّ سنة اليوبيل: إشارات ضمنية للانفتاح

اللقاء تزامن مع استعدادات لحجّ كبير تنظمه مجموعة “خيمة يوناثان” الإيطالية بالتعاون مع منصة “أوتريتش”، ويشارك فيه حوالي 1200 شخص من الكاثوليك المثليين والترانس والكويريين، من بينهم كهنة وأفراد من جماعات رعوية متنوعة.

ويشمل الحج إقامة قدّاس رسمي في كنيسة يسوعية بروما، يحتفل به النائب الثاني لرئيس مجلس الأساقفة الإيطاليين.

ورغم أن الفاتيكان لا يرعى رسميًا هذا الحدث، إلا أن إدراجه ضمن تقويم فعاليات سنة اليوبيل الرسمية يُعد سابقة في انفتاح الفاتيكان على مبادرات المثليين والترانس والكويريين الكاثوليك.

وقد صرّحت جهات رسمية أن إدراج الحدث لا يعني المصادقة عليه، بل تسهيلًا لوجستيًا للمجموعات الراغبة في عبور “الباب المقدّس” في كاتدرائية القديس بطرس.

استمرار الدعم رغم الانتقادات المحافظة

تأسست منصة “أوتريتش” عام 2021 من قبل الأب مارتن، كمبادرة رعوية وإعلامية تخاطب الكاثوليك من مجتمع الميم، بالشراكة مع America Media. وقد واجهت المنصة ومؤسسها انتقادات شديدة من قبل جماعات محافظة

الأب مارتن، الذي يتعرّض باستمرار لانتقادات من الكاثوليك المحافظين، لا يزال يحظى بدعم البابا السابق فرنسيس، حيث عيّنه رسميًا في مناسبات عدة للمشاركة في محافل سينودسية.

كما نشر مارتن في السنوات الماضية مراسلات شخصية تلقّاها من فرنسيس، تشجّعه على مواصلة عمله الرعوي مع مجتمع الميم.

الجدير بالذكر أن بعض الجامعات الكاثوليكية الأمريكية ألغت محاضرات وندوات للأب مارتن في السنوات الأخيرة، تحت ضغط من جماعات محافظة تعارض مشروعه وعمله التواصلي.

تعكس هذه الزيارة إصرار الكنيسة الكاثوليكية، في عهدَي فرنسيس وليو، على مواصلة مسار أكثر انفتاحًا تجاه الأفراد المثليين والترانس والكويريين داخلها.

ورغم أن العقيدة لم تتغير رسميًا بعد، إلا أن الإشارات الرمزية، والمبادرات الرعوية، واللقاءات الرسمية توضح أن مسألة دمج المثليين والترانس والكويريين وأفراد مجتمع الميم أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النقاش الكنسي العالمي.

وتبقى الأسئلة مفتوحة: هل سيجرؤ البابا ليو على اتخاذ خطوات عقائدية حاسمة نحو دمج أوسع لأفراد مجتمع الميم داخل الكنيسة؟ أم سيكتفي بالرمزيات والمصافحات الرسمية دون تغيير بنيوي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.