بعد أن اعتُبر مشروعًا ميّتًا إثر انسحاب النجم خواكين فينيكس (Joaquin Phoenix) في اللحظات الأخيرة، يعود فيلم De Noche (في الليل) للمخرج الأميركي البارز تود هاينز (Todd Haynes) إلى دائرة الضوء.
العمل، الذي أُعلن عنه أول مرة عام 2023، هو دراما كويرية صريحة تدور أحداثها في ثلاثينيات القرن الماضي، وتتناول قصة حب بين رجلين يهربان من لوس أنجلوس إلى المكسيك في مواجهة التهديدات الاجتماعية والسياسية.
بحسب تقارير هوليوود، فإن بيدرو باسكال (Pedro Pascal) في محادثات متقدمة لتولي الدور الرئيسي الذي كان مخصصًا لفيـنيكس، إلى جانب الممثل داني راميريز (Danny Ramirez) الذي ظلّ مرتبطًا بالمشروع منذ البداية. ومن المتوقع أن يبدأ التصوير في غوادالاخارا بالمكسيك عام 2026.
لماذا انسحب خواكين فينيكس؟
كان فينيكس الاسم الأبرز في المشروع عند انطلاقه، إلى جانب داني راميريز، لكن قبل خمسة أيام فقط من بدء التصوير في 2024 أعلن انسحابه المفاجئ.
الصحافة الأميركية (Deadline وVariety) أشارت إلى أنه أصيب بما يُعرف اصطلاحًا بـ “cold feet” – أي تردّد مفاجئ أو خوف من الالتزام بالفيلم.

المثير أن فينيكس رفض لاحقًا توضيح الأسباب، مكتفيًا بالقول: «لا أعتقد أن شرح الأمر سيكون مفيدًا».
هذا الغموض فتح الباب أمام تكهنات كثيرة: هل كان السبب تحفظه على الطابع الجنسي الصريح للقصة الكويرية؟ أم خلافات فنية مع المخرج حول الرؤية؟ أياً كان السبب، النتيجة أن المشروع توقف تمامًا واعتُبر “منتهيًا” لعام كامل تقريبًا.
القصة: حب وهروب في زمن مضطرب
تدور أحداث فيلم De Noche (في الليل) حول رجلين في لوس أنجلوس ثلاثينيات القرن الماضي: أحدهما ضابط شرطة فاسد، والآخر من السكان الأصليين. يقعان في حب بعضهما، لكنهما يواجهان خطر الاضطهاد والفضيحة، فيقرران الهروب إلى المكسيك.
المخرج تود هاينز وصف الفيلم بأنه قصة حب مع مكوّن جنسي قوي، قائلاً: «إنها قصة عن الهروب، عن الحب، وعن الرغبة في النجاة معًا في وجه عالم يرفض وجودكما».
بيدرو باسكال وداني راميريز: وجوه مألوفة للكوير
إنقاذ المشروع جاء مع انضمام بيدرو باسكال، الذي يُعتبر اليوم أحد أكثر النجوم شعبية عالميًا. باسكال ليس غريبًا على الأدوار الكويرية، فقد جسّد شخصية أوبيرين مارتيل في Game of Thrones، أميرمزدوج الميول الجنسية (بايسشكوال) عاش قصص حب مع رجال ونساء.

كما شارك في الفيلم القصير Strange Way of Life الذي صدر عام (2023) للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، بدور عاشق قديم لرجل آخر، في قصة قصيرة مكثفة وصريحة.
أما داني راميريز، فقد لمع اسمه في Top Gun: Maverick، لكنه انخرط أيضًا في مشاريع مستقلة أبرزت أبعادًا أكثر تنوعًا لهويات شابة.

مشاركته المستمرة في De Noche منذ بدايته تعكس التزامه بقصص جريئة ومعقّدة، وتجعل حضوره إلى جانب باسكال عنصرًا مهمًا لإضفاء مصداقية وعمق على الرواية السينمائية.

تود هاينز: تاريخ طويل مع السينما الكويرية
يُعتبر تود هاينز من أبرز المخرجين الذين تركوا بصمة واضحة على السينما الكويرية. من بين أعماله البارزة: Velvet Goldmine عام (1998) الذي استكشف مرونة الهوية الجنسية في عالم موسيقى السبعينيات البريطانية
بجانب Far From Heaven عام (2002) الذي تناول موضوعات العنصرية والهوية الجنسية في أميركا الخمسينيات.

وأخيرًا فيلم Carol عام (2015) الذي أصبح أحد أهم أفلام الحب بين امرأتين في تاريخ السينما الحديثة ورُشّح لست جوائز أوسكار.
مع De Noche، يعود هاينز إلى جذور اهتمامه بتفكيك التاريخ الاجتماعي والسياسي من خلال قصص حب كويرية ممنوعة أو محاصَرة.
التحديات والجدل
منذ بدايته، ارتبط De Noche بتحديات كبيرة أثّرت على مساره. فالطابع الجنسي الصريح الذي يتبنّاه النص يجعله عرضة لتصنيف رقابي مشدد مثل NC-17، وهو ما قد يحدّ من انتشاره التجاري في بعض الأسواق العالمية، لا سيما في الدول التي تفرض قيودًا صارمة على تمثيل العلاقات المثلية.
إلى جانب ذلك، ترك انسحاب خواكين فينيكس أثرًا سلبيًا على سمعة المشروع، إذ اعتبره البعض “عملًا مخيفًا” أو “ثقيلًا جدًا” حتى على ممثل حائز على الأوسكار، الأمر الذي زاد من شكوك النقاد حول إمكانية إنجازه.
أما على المستوى الإنتاجي، فإن اختيار التصوير في مدينة غوادالاخارا بالمكسيك يفرض بدوره تحديات تتعلق بالإدارة اللوجستية وارتفاع التكاليف وضغط التوقعات الإعلامية المتنامي.
ومع ذلك، فإن انضمام بيدرو باسكال إلى البطولة قد يعيد التوازن للعمل. فشعبيته العالمية وحضوره الكاريزمي يمنحان الفيلم دفعة جماهيرية وتسويقية كبيرة، ويضعانه في موقع أفضل لتجاوز العقبات التي واجهها منذ البداية، وتحويله من مشروع مهدّد بالانهيار إلى عمل مرشح لأن يكون علامة فارقة في السينما الكويرية.
قصة تستحق أن تُروى
فيلم De Noche ليس مجرد فيلم آخر في مسيرة بيدرو باسكال أو تود هاينز. إنه شهادة على أن قصص الحب الكويري، حتى في أحلك الأزمنة وأكثرها قمعًا، يمكن أن تجد طريقها إلى الشاشة الكبيرة.
انسحاب فينيكس كاد أن يُدفن المشروع، لكن عودته للحياة مع باسكال وراميريز تمنحه فرصة جديدة ليصبح علامة فارقة في السينما الكويرية العالمية.



