Peacemaker

مسلسل Peacemaker: بطل بايسكشوال يهزّ صورة الرجولة على الشاشة من بطولة جون سينا

تبدو عوالم الأبطال الخارقين مألوفة: عضلات، أكشن، وخلاص جماهيري سريع. لكن «صانع السلام» (Peacemaker) يقلب الطاولة؛ إذ يقدّم بطلاً مزدوّج الميول الجنسية في قلب السرد، ويجعل رحلة تفكيك الذكورية السامة محوراً للدراما والكوميديا السوداء معاً. هذه مراجعة معمّقة للموسم الأول وما ينتظرنا في الموسم الثاني، من منظور منصة عربية كويرية مخاطِبة لجمهور شمال أفريقيا وغرب آسيا.

تمهيد سريع للقادمين الجدد

ينطلق المسلسل بعد أحداث «الفرقة الانتحارية» (The Suicide Squad) ويُتابع كريستوفر سميث «صانع السلام» الذي يجسّده جون سينا (John Cena) بإخراج وإبداع جيمس غان (James Gunn).

المهمة: مطاردة كائنات طفيلية متخفّية ضمن عملية حكومية اسمها «مشروع الفراشة»؛ الفريق يضمّ ليـوتا أديبايو (Danielle Brooks)، إيميليا هاركورت (Jennifer Holland)، جون إيكونوموس (Steve Agee)، وأدريان تشيس/المنفّذ (Freddie Stroma).

المزيج نوعي: أكشن فوضوي، ,سخرية لاذعة، وحساسية عاطفية غير متوقعة. موسم الانطلاق في 2022 حصد إجماعاً نقدياً لافتاً (نسبة 93% لدى النقاد و87% لدى الجمهور على «روتن توميتوز»). 

كيف يصوّر مسلسل Peacemaker الميول المزدوجة للبطل؟

يؤكد العمل منذ حلقاته الأولى أنّ كريستوفر سميث مزدوّج الميول الجنسية: يذكر أنه لم يضطجع مع «أي امرأة» خلال سنوات السجن، في صيغة تفيد ضمناً علاقات مع رجال، كما نشاهد مشهداً ثلاثياً مع صديقه فيجيلانتي وامرأة، إضافة إلى تلميحات جسورة سبقت ذلك في الفيلم السينمائي.

ويبلغ الصدام ذروته حين يستخدم والده، أوغي سميث «التنين الأبيض» (Robert Patrick)، هذا الجانب ليمارس عنفه اللفظي والعاطفي قبل مواجهتهما الدامية.

هذه المسارات رُصدت وناقشتها منصّات ثقافية عدة بوصفها تمثيلاً مقصوداً لكون البطل مزدوّج الميول الجنسية، وبالإشارة إلى أن بادرة ترسيخ ذلك جاءت باقتراح من جون سينا نفسه ثم تبنّاها جيمس غان في المسلسل. 

بين خطوة جريئة… وحدود معالجة سطحية أحياناً

يحسب للمسلسل أنه يضع رجلاً ضخم البنية «فائق الرجولة» ضمن قالب كويري من دون نزع شرعيته الرجولية؛ هذا بحدّ ذاته يزعزع قوالب راسخة حول من «يُسمح» له أن يكون كويرياً على الشاشة. 

كن نقاشات كويرية معتبرة رأت أن التعبير عن الميول المزدوجة جاء أحياناً على شكل نكات عابرة أو «فتات» إيحائي، مقابل معالجة أعمق لعلاقة ليـوتا أديبايو بزوجتها، ما يخلق مفارقة بين تمثيل الرجال والنساء داخل العمل.

هذا التقييم النقدي لا ينفي الخطوة التقدمية، لكنه يطالب بمزيد من العمق العاطفي والدرامي لخيارات كريس العاطفية، لا الاكتفاء بالغرابة أو الإيحاء الجنسي. 

تفكيك الذكورية السامة كعمود فقري

لا يكتفي «صانع السلام» بتثبيت هوية بطله، بل يشتغل على جروحها: أب عنصري نازي، ماضٍ عنيف، وشعور خانق بالذنب.

الحلقات تربط بين العنف الذي تربّى عليه كريس، والحواجز التي تبنيها الذكورية السامة في وجه الاعتراف بالذات—ومن ضمنها الاعتراف بالميول المزدوجة.

هنا تصبح الموسيقى «الهير ميتال» والرقص الافتتاحي الشهير أدوات مقاومة للعار، وتذكيراً بأن الهوية لا تُختزل في كليشيه واحد.

استقبال نقدي وجماهيري قوي… مع ملاحظات

النقاد أشادوا بأداء جون سينا «الملحمي الساخر» وبحرارة كتابة جيمس غان وتوقيعه الإخراجي، وهو ما عكسته أرقام «روتن توميتوز» للموسم الأول، بينما يضع الجمهور العمل ضمن أفضل عروض الأبطال الخارقين الحديثة. 

ذا الرصيد يُقابله مطلب واضح: بناء قصص عاطفية كويرية مكتملة للبطل، لا الاكتفاء بجرعات إمتاع صاخبة. 

سياق المشاهدة في منطقتنا: الوصول، الترجمة، والرقابة

واقع البث في شمال أفريقيا وغرب آسيا لا يزال محفوفاً بتعقيدات حقوق العرض وحجب المنصّات. خدمة «إتش بي أو ماكس» (HBO Max) لا تتوافر رسمياً في معظم دول المنطقة بسبب اتفاقية ترخيص محتوى «إتش بي أو» مع «أو إس إن+» (OSN+)؛ ما يعني أن نافذة الوصول القانونية غالباً تمرّ عبر «أو إس إن+» عندما تنال الحقوق.

بالفعل رُوّج للمسلسل عبر حسابات «أو إس إن+»، ما يؤكد وجود مسار عرض محلي سابقاً للموسم الأول، لكن توافر المواسم الجديدة يتوقف على تجديدات الترخيص.

النتيجة العملية: جمهور كبير يعتمد على بدائل أو ينتظر نقلاً محلياً متأخراً، فيما قد تخضع بعض المشاهد لقصّ رقابي إذا عُرضت تلفزيونياً. 

ماذا ينتظرنا في الموسم الثاني؟

الموسم الجديد ينطلق في 21 أغسطس 2025 على «إتش بي أو ماكس»، بحلقة أسبوعية حتى الخريف، وفق الجداول المنشورة من مواقع الترفيه المختصة.

وقد أكّد جيمس غان أن الحلقات الأخيرة حُجبت عن النقّاد لتجنّب التسريبات بسبب «منعطفات كبيرة»، ما يوحي برهانات سردية أعلى. 

الأهم درامياً: عودة «ريك فلاج الأب» خصماً مؤسسياً يقود «أرجس»، ورابط مباشر مع فيلم «سوبرمان» الجديد ضمن «عالم دي سي» المُعاد تشكيله. هذه التغييرات تعِد بتوسيع أثر المسلسل على خارطة السرد الكبرى، مع الحفاظ على لغته للكبار فقط. 

هل ستتقدّم المعالجة الكويرية أم تبقى عند حدّ الإيحاء؟

مؤشرات الترويج تُظهر انفتاحاً أكبر على حضور كويري صريح—منها مشهد «حفلة» جنسية جماعية يلمّح إلى علاقات بين أجساد من كل الأطياف، ما يعيد ترسيخ هوية البطل كمزدوّج الميول الجنسية على نحو لا لبس فيه.

لكن الامتحان الحقيقي لن يكون في الصراحة الجنسية وحدها، بل في إتاحة مساحة لعلاقات عاطفية ذات معنى، وفي تخفيف الاعتماد على النكت الفجّة التي قد تُعيد إنتاج صور نمطية بحق الرجال مزدوّجي الميول الجنسية.

إن نجح الموسم الثاني في ذلك، سيصبح «صانع السلام» مرجعاً لا لمشهد «جريء» فحسب، بل لسرد كويري إنساني داخل نوع الأبطال الخارقين. 

ما الذي يقدّمه المسلسل لجمهور المنطقة؟

أولاً، جرأة تمثيل رجل مزدوّج الميول الجنسية من دون نزع رجولته أو تحويله إلى مادة للسخرية بالكامل—وإن تعثّر أحياناً—تفتح باباً لنقاش محلي حول صور الرجولة والهشاشة والتعافي.

ثانياً، يقترح العمل أنّ المصالحة مع الذات شرطٌ للبطولة؛ وهذه ثيمة كونية يمكن أن تلامس تجاربنا مع العائلة والسلطة والوصم الاجتماعي. ثالثاً، يعيد المسلسل التذكير بأن الوصول إلى المحتوى الكويري حقّ ثقافي، وأن سياسات المنصّات والرقابة تظلّ حاجزاً تقنياً لا مبرّراً ثقافياً.

الحكم الفني

قوة «صانع السلام» في مزيجه النادر: طاقة أكشن شديدة، حسّ كوميدي أسود، وشخصية رئيسية تتقلّب بين العنف والحنان.

نقاط الضعف تتلخص أحياناً في مزاح ثقيل يسطّح المعنى الكويري، وعدم استثمار كافٍ في علاقات عاطفية تُوازي جرأة الجسد.

ومع ذلك، يظل العمل خطوة مهمة إلى الأمام في تمثيل الرجال مزدوّجي الميول الجنسية في التيار الرئيسي، وفرصة ذهبية للموسم الثاني كي يثبت أن هذا التمثيل ليس «زينة» بل قلب درامي نابض.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.