قد يظن البعض أن السعادة الجنسية ترتبط فقط بما يحدث في غرفة النوم، لكن الأبحاث العلمية تقول عكس ذلك. القبلة، الحضن، والإمساك باليد ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل قد تكون مفاتيح لعلاقات أكثر عمقًا وإشباعًا.
دراسة حديثة نُشرت في مجلة Archives of Sexual Behavior (أرشيف السلوك الجنسي) — وهي واحدة من أهم المجلات الأكاديمية العالمية المتخصصة في أبحاث علم النفس الجنسي والعلاقات الحميمية — شملت مئات المشاركين/ات من مجتمع الميم. وقد أظهرت أن الأزواج الذين يكثر بينهم الحنان الجسدي يكونون أكثر رضا جنسيًا وعاطفيًا، بغض النظر عن تكوين العلاقة أو هوية الجندر.
من هم المشاركون في الدراسة؟
شملت الدراسة 336 شخصًا في علاقات أحادية، معظمهم من مجتمع الميم (85%). تنوّعت هوياتهم بين أشخاص متنوعي الجندر (39%)، مزدوجي الميول الجنسية (33%)، مثليين/ات (18%)، وكوير (12%). متوسط طول العلاقة كان من 6 إلى 7 سنوات، ما يعطي صورة واضحة عن العلاقات طويلة الأمد.
هذه النقطة مهمّة، لأن معظم الدراسات السابقة كانت تركّز فقط على الأزواج المغايرين، بينما هذه المرة أُخذت تجارب الكوير والمتنوعين جندريًا بجدّية.
ثلاث أنماط من السلوكيات الجسدية
الباحثون استخدموا تحليلًا متقدمًا (Latent Profile Analysis) لتقسيم المشاركين إلى ثلاث مجموعات:
- سلوكيات جسدية قليلة: أقل تلامس وحنان وجنس. هؤلاء سجّلوا أدنى درجات الرضا الجنسي والعاطفي.
- سلوكيات قائمة على الحنان فقط: كثير من الأحضان، القبلات، مسك الأيادي، لكن أقل في الجنس. هذه المجموعة كانت أكثر رضا عاطفيًا، وإن لم تصل لمستوى الرضا الجنسي الأعلى.
- سلوكيات شاملة: يجمعون بين الجنس المتنوع والحنان المتكرر. هذه المجموعة سجّلت أعلى مستوى من الرضا الجنسي.
الحب لا يعتمد على نوع الجندر
من المثير أن نتائج الدراسة أظهرت عدم وجود اختلاف في هذه الأنماط بحسب تكوين العلاقة: سواء كانت بين رجل وامرأة، أو رجل ورجل، أو امرأة وامرأة، أو علاقات مع شركاء متنوعين جندريًا.
هذا يؤكد أن السعادة في العلاقة لا تحددها هوية الجندر، بل كيف يختار الشريكان التعبير عن القرب الجسدي والعاطفي.
ماذا عن الرضا العاطفي؟
- الأزواج الذين نادرًا ما يتبادلون المودة الجسدية كانوا الأقل رضا عاطفيًا.
- الأزواج الذين يكثر بينهم العناق والقبل، حتى بدون ممارسة جنسية متكررة، كانوا أكثر رضا واستقرارًا عاطفيًا.
- الأزواج الذين يجمعون بين الجنس والحنان سجّلوا أعلى درجات الرضا الجنسي، لكن مستويات الرضا العاطفي كانت متشابهة تقريبًا مع الأزواج الحنونين فقط.
بمعنى آخر: الجنس يزيد السعادة الجنسية، لكن الحنان هو ما يحافظ على متانة العلاقة.
أبحاث أخرى تؤكد
- دراسات من معهد كينسي أشارت إلى أن التلامس غير الجنسي مثل مسك الأيادي أو الحضن يعزز الثقة بالنفس ويقوّي الروابط العاطفية.
- نظرية تبادل المودة (Affection Exchange Theory) توضح أن الحنان ليس مجرد رفاهية، بل سلوك تطوري يُخفّض التوتر ويحسّن الصحة النفسية والجسدية.
- كما دعمت هذه النتائج أبحاث دولية أخرى، منها دراسة أسترالية نُشرت في Journal of Sex Research عام 2025 بعنوان: “Consensual Non-Monogamy and Relationship Outcomes”، ودراسة بريطانية صادرة عن جامعة كامبريدج بالتعاون مع The Guardian بعنوان: “Non-Monogamous People Are as Happy in Their Love Lives as Traditional Couples”. كلاهما أكدا أن العلاقات غير الأحادية مثل العلاقات المفتوحة أو المتعددة يمكن أن تحقق نفس مستويات الرضا الجنسي والعاطفي التي تحققها العلاقات الأحادية، ما يوضح أن السر لا يكمن في بنية العلاقة بل في نوعية التواصل والحنان المتبادل.
ماذا يعني هذا لمجتمع الميم في منطقتنا؟
بالنسبة للكثيرين منّا في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، الوصول إلى حياة عاطفية وجنسية صحية ليس بالأمر السهل بسبب الوصم الاجتماعي والقيود القانونية. لكن هذه النتائج تعطي رسالة مهمة:
- الأفعال الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا. القبلة، الحضن، أو حتى الضحك المشترك يمكن أن يكون أساس العلاقة المتينة.
- الجنس ليس كل شيء: الحنان وحده كفيل بإبقاء العلاقة مُرضية ومُستقرة.
- كل علاقة مختلفة: لا يوجد نموذج واحد للسعادة. ما يهم هو كيف نبني الأمان والقرب مع الشريك/ة.
في النهاية، ما يحافظ على نبض العلاقة ليس فقط ما يحدث في السرير، بل تلك اللحظات اليومية البسيطة: قبلة على عتبة الباب، حضن بعد يوم طويل، أو ضحكة مشتركة تُبدّد التعب.
الأبحاث اليوم تعيد تذكيرنا بأن الحنان هو اللغة السرية للحب، وهو ما يجعل العلاقات — سواء كانت أحادية أو غير أحادية، كويرية أو مغايرة — أكثر قوة ودفئًا.
فالطريق إلى السعادة الجنسية والعاطفية يبدأ من التفاصيل الصغيرة، من لمسة يد صادقة، ومن قدرة الشريكين على أن يكونا حاضرَين لبعضهما بصدق ومودة.