مثلي

هولندا تعيّن روب يتن أول قائد مثلي صريح وأصغر رئيس وزراء في تاريخها

في لاهاي، أدّت الحكومة الهولندية الجديدة اليمين الدستوري يوم الاثنين 23 فبراير/شباط 2026، ليتسلّم روب يتن (Rob Jetten) رئاسة الوزراء بوصفه أصغر رئيس حكومة في تاريخ هولندا وأول رئيس وزراء مثلي صراحة يصل إلى المنصب. الحدث جاء بعد أشهر من اضطراب سياسي وانتخابات مبكرة، ويفتح نقاشًا واسعًا حول معنى الظهور المثلي والكويري الصريح في السياسة الأوروبية، وما يمكن أن يحمله من رمزية لمجتمع الميم داخل هولندا وخارجها.

حكومة أقلية… وحسابات برلمانية معقّدة منذ اليوم الأول

يتولى يتن قيادة ائتلاف ثلاثي يضم حزب الديمقراطيين 66 (D66) الذي يتزعمه، إلى جانب النداء الديمقراطي المسيحي (CDA) وحزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية (VVD).

غير أن هذا الائتلاف لا يمتلك سوى 66 مقعدًا من أصل 150 في مجلس النواب، ما يجعل الحكومة “حكومة أقلية” ستعتمد على تفاهمات متغيّرة مع أحزاب المعارضة لتمرير القوانين والميزانيات، مع غياب أغلبية في مجلس الشيوخ أيضًا، وفق التغطيات الإخبارية.

مراسم أداء اليمين جرت في القصر الملكي “هويس تن بوش” (Huis ten Bosch) في لاهاي، حيث دعا الملك فيليم-ألكسندر الحكومة إلى النجاح في “أوقات يسودها عدم الوضوح”.

وفي محيط المراسم، تظاهر نشطاء بيئيون من حركة “إكستنكشن ريبيلين” (Extinction Rebellion)، في مؤشر مبكر على أن ملفات المناخ والسياسات البيئية ستظل ساحة اشتباك وطني.

كيف وصل يتن إلى المنصب؟ انتخابات مبكرة بعد انهيار حكومة سابقة

جاء صعود يتن بعد انهيار حكومة الأغلبية اليمنية المتطرفة السابقة بقيادة ديك شوف (Dick Schoof) خلال صيف 2025، ما قاد إلى انتخابات مبكرة أُجريت في أواخر أكتوبر/تشرين الأول.

ووفق التغطيات، حقق حزب D66 فوزًا ضيقًا على حزب الحرية اليميني المتطرف (PVV) بزعامة خيخت فيلدغز (Geert Wilders)، وهي نتيجة حُسمت على نحو حساس بعد فرز أصوات البريد. 

وفي قراءة أوسع للمشهد الأوروبي، قُوبلت نتيجة الانتخابات بارتياح في بعض دوائر بروكسل، باعتبار يتن سياسيًا وسطيًا مؤيدًا للاتحاد الأوروبي، في وقت تصعد فيه قوى يمينية متشددة في دول أوروبية أخرى.

من ترند «روبوت يتن» الساخر إلى وجه جماهيري: التحول في الصورة العامة

يتن ليس وافدًا جديدًا على السياسة الوطنية؛ فقد دخل البرلمان لأول مرة عام 2017. إلا أن بداياته ارتبطت بلقب وترند ساخر: «روبوت يتن»، بسبب إجابات بدت “محفوظة” وباردة أمام الصحفيين.

لاحقًا تغيّرت صورته تدريجيًا نحو أسلوب أكثر ارتياحًا وقربًا من الجمهور، وساعده في ذلك ظهوره التلفزيوني—من بينها وصوله إلى المراحل النهائية في برنامج مسابقات جماهيري بعنوان The Smartest Person الأذكى.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يتعمّد يتن إبقاء حياته الشخصية مرئية ضمن خطاب غير استعراضي: صور مشتركة ورسائل قصيرة تربط العام بالخاص، في محاولة لالتقاط ما يسميه خصومه “سياسة الصورة”، وما يراه مؤيدوه “سياسة القرب والشفافية”.

«وعد للعمل من أجل الجميع»: رسالة يتن عن القيادة والتمثيل

في منشور له يوم الاثنين، كتب يتن: «فخور بأن أتمكن من القيام بهذا معًا. في مرحلة جديدة، مع مسؤولية كبيرة، ووعد مشترك بالعمل من أجل الجميع في هولندا». الرسالة صيغت بوصفها “وعدًا جامعًا” لا خطابًا موجّهًا لفئة بعينها، لكنها تأتي في لحظة يُقرأ فيها حضوره العلني والصريح، كرجل مثلي، كإشارة رمزية لمكانة التنوع داخل المجال العام. 

ويظهر شريكه/خطيبه، لاعب الهوكي الأرجنتيني نيكولاس كينان (Nicolás Keenan)، في تغطيات متعددة بوصفه جزءًا من صورة يتن العامة. ونُقل عنه قوله إن الهولنديين “مستعدون لطاقة جديدة”، وإن يتن يجلب “طاقة إيجابية” تجعل الناس يتطلعون إلى مرحلته في رئاسة الوزراء. 

برنامج ثقيل: الدفاع، أوكرانيا، وانبعاثات الزراعة

بحسب التغطيات، يواجه يتن اختبارًا فوريًا في تمرير أجندة طموحة عبر حكومة أقلية. من الملفات البارزة: زيادة الإنفاق الدفاعي مع تأكيد الاستمرار في دعم أوكرانيا وسط توترات دولية. وتذهب بعض التقارير إلى أن الائتلاف يتحدث عن رفع الإنفاق العسكري لتحقيق “هدف إنفاق” طموح مرتبط بحسابات داخل الحلف الأطلسي NATO، وهي نقطة يُتوقع أن تثير جدلًا سياسيًا وماليًا داخل البرلمان.

في الداخل، تبرز خطط خفض الانبعاثات في قطاع الثروة الحيوانية، أحد أكبر القطاعات تأثيرًا في الانبعاثات داخل هولندا، إلى جانب ملفي الهجرة وأزمة السكن بوصفهما من أكثر القضايا استقطابًا في السنوات الأخيرة.

مناخ السياسة والهويات: انتقاد توظيف حقوق مجتمع الميم ضد المسلمين

في سياق “حرب السرديات” داخل أوروبا، نقلت تغطيات أن يتن انتقد خطاب خصمه اللدود خيخت فيلدغز، معتبرًا أنه لا يدافع عن حقوق مجتمع الميم إلا بوصفها أداة لـ“شيطنة المسلمين” لا موقفًا داعمًا للمساواة. هذا النوع من النقد يضع حكومة يتن أمام سؤال مزدوج: كيف تدافع عن حقوق الإنسان دون تحويلها إلى ذخيرة في صراع هويّاتي يستهدف الأقليات الأخرى؟

خلفية سريعة: هولندا وحقوق مجتمع الميم

يمتلك الحدث ثقله الرمزي لأن هولندا قننت المثلية الجنسية عام 1811 وكانت أول دولة في العالم تقنّن زواج المثليين عام 2001. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الرمزية وحدها لا تكفي؛ فالتحدي الحقيقي هو تحويل قيم المساواة إلى سياسات عامة تحمي الجميع، خصوصًا في أوقات صعود الشعبوية والأفكار المتطرفة والضغط على منظومات الرعاية الاجتماعية.

تعثّر مبكر قبل الانطلاق: استقالة بسبب معلومات في السيرة الذاتية

قبل البداية الرسمية للحكومة، واجه الائتلاف إرباكًا بعدما استقالت المرشحة لمنصب سكرتيرة الدولة للشؤون المالية من حزب D66 إثر جدل يتعلق بتقديم معلومات غير دقيقة حول تعليمها في سيرتها الذاتية وملفها على “لينكد إن”. الحادثة سلّطت الضوء على حساسية المرحلة الأولى، حيث تُختبر مصداقية الحكومة الجديدة قبل أن تبدأ فعليًا في حصد النتائج.

ماذا بعد؟ اختبار “الظهور الصريح” داخل واقع برلماني صعب

تعيين روب يتن رئيسًا للوزراء يُقرأ على مستويين: كتحول سياسي داخل هولندا نحو قيادة شابة ووسطية، وكإشارة رمزية لمجتمع الميم عن إمكانية الوصول إلى أعلى منصب حكومي بصريح الهوية دون الاعتذار عنها أو إخفاءها.

لكن حكومة الأقلية تعني أن كل خطوة ستكون مشروطة بالتفاوض، وأن نجاح “الرمزية” سيُقاس في النهاية بقدرة الحكومة على حماية الحريات والحقوق، وإدارة ملفات الدفاع والاقتصاد والهجرة والمناخ دون الوقوع في ثقافات وممارسات الاستقطاب الذي يصعد في أوروبا.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.