جيبهم جوا

“جيبهم جوا”: الجنس بدون واقٍ في مجتمع الميم – ما بين المتعة، والمخاطر، والواقع الطبي

في تطبيقات المواعدة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أو داخل مجموعات خاصة على واتساب وتلجرام، أصبحت عبارات مثل “جيبهم جوا” أو “من غير كاندوم” وبالإنجليزية “RAW ONLY”، “BB ONLY”  كلمات مفتاحية تُعبّر عن الرغبة في ممارسة الجنس الشرجي بدون واقٍ ذكري.

ومع تطور الخطاب حول الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) وظهور وسائل مثل أدوية الوقاية من فيروس نقص المناعة (PrEP) وU=U والتي تعني أن المتعايشين مع فيروس HIV لا ينقلون الفيروس بعد تناول الأدوية بوقت والتأكد أن الفيروس غير قابل للكشف في الدم، انتقلت هذه الممارسة من كونها سلوكًا محظورًا إلى نقاش أكثر تعقيدًا يتداخل فيه الجنس، والثقة، والمتعة، والصحة العامة.

في هذا المقال، نسلط الضوء على مفهوم الجنس بدون واقٍ جنسي (Barebacking) في مجتمع الميم، ودوافعه، ومخاطره، وانتشاره، استنادًا إلى دراسات طبية واجتماعية ومصادر مثل المكتبة الوطنية للطب National Library of Medicine ووسائل إعلامية طبية وكويرية.

ما هو الجنس بدون واقٍ جنسي أو “Barebacking”؟

مصطلح “Bareback” يُستخدم في الأساس للإشارة إلى ممارسة الجنس الشرجي بدون واقٍ ذكري بين الرجال المثليين أو مزدوجي الميول الجنسية. تعود جذوره إلى الستينات، لكنه أصبح شائعًا بشكل واضح في التسعينات بعد تراجع وفيات الإيدز بفضل العلاجات المضادة للفيروسات (ART).

اليوم، أصبح المصطلح شائعًا في تطبيقات المواعدة والحسابات الشخصية، وغالبًا ما يرتبط برغبات جنسية مثل “التلقيح” (Breeding) و”الانزال الكامل للسائل المنوي داخل الشرج” (Full load).

لماذا يُمارس الجنس بدون واقٍ في مجتمع الميم؟

1. المتعة الجسدية والنفسية

بحسب دراسة نُشرت في المكتبة الوطنية للطب عام 2012، فإن السبب الرئيسي وراء هذه الممارسة هو المتعة الجسدية والرغبة في الحميمية العاطفية. بعض المشاركين في الدراسة عبّروا عن إحساسهم بأن الجنس بدون واقٍ يوفر شعورًا أعمق بالاندماج والتواصل مع الشريك — حتى وإن كان اللقاء عابرًا.

“أنا بحس إنه لما يخلص جواي… كأنه أعطاني شي. كأنها هدية.” — أحد المشاركين في الدراسة.

2. غياب الثقافة الجنسية في المجتمعات الناطقة بالعربية

رغم الانفجار الهائل في المحتوى الجنسي المتاح عبر الإنترنت، لا يزال التثقيف الجنسي العلمي غائبًا بشكل شبه تام عن معظم المدارس، والمناهج، والمؤسسات الإعلامية في الدول الناطقة بالعربية. هذا الغياب يترك فراغًا خطيرًا يملؤه الفضول، والخرافات، والتجربة المباشرة غير الآمنة.

في تقرير نشرته بي بي سي عربية عام 2022، عبّر شباب وشابات من المنطقة — بمن فيهم مثليون — عن شعورهم بالخوف، والحرج، والعار عند الحديث عن الجنس، وحتى مجرد التفكير في مناقشته مع العائلة أو في المدرسة. تقول هالة، شابة مصرية شاركت في المقابلة:

“أنا بخير، إلى أن يرى والدي هذه المقابلة… يلفّ هذا الموضوع عار وعيب وقلة أدب.”

أما محمد من سوريا فيضيف: “ثمة عدم أريحية عند التحدث عن الجنس، لأن الموضوع يُعتبر من المحرمات في العائلة والمجتمع.”

ونتيجة لذلك، يلجأ الكثيرون إلى التجربة عبر “المحاولة والخطأ” دون معرفة مسبقة بكيفية حماية أنفسهم أو فهم أجسادهم ورغباتهم. 

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن غياب التثقيف الجنسي يزيد من مخاطر الأمراض المنقولة جنسيًا، والحمل غير المرغوب فيه، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والعنف الجنسي، وكذلك رهاب ورفض المثلية الذي يمنع الأفراد من الوصول لمعلومات تنقذ حياتهم.

في هذا السياق، يصبح الجنس بدون واقٍ سلوكًا “عاديًا” بين الشباب الذين لم يُعلّمهم أحد كيفية الحماية أو كيف يتحدثون عن الوقاية دون الشعور بالذنب أو العار.

وتوضح الدكتورة ساندرين عطالله، أخصائية الطب الجنسي، أن كثيرًا من المفاهيم الخاطئة في ذهن الشباب مرتبطة بالأفلام الإباحية، أو بلغة غير علمية يتناقلها الأصدقاء. تقول:

“ليس عيبًا أن نطرح أسئلة ونستشير طبيبًا إذا عانينا مشاكل، تمامًا كما نفعل إذا واجهنا أي حالة جسدية أو نفسية أخرى.”

ويضيف الكاتب والمفكر أمين الزاوي في مقالة كتبها عبر إندبندنت عربية أن “الجنس تحول في المخيلة العربية إلى بعبع مخيف”، وهو ما يدفع الشباب إلى التعامل مع رغباتهم بسرية، وقلق، أو تطرف — إما من خلال القمع، أو المبالغة في التجريب دون وعي أو حماية.

3. الإثارة النفسية والتابوهات

بالنسبة للبعض، الجنس بدون واقٍ يحمل طابعًا تمرديًا على القيود المجتمعية أو المخاوف الصحية التي نشأوا عليها. كما قالت مجلة Vice، هناك من يرون في العلاقات الجنسية دون واقٍ أو مزلق نوعًا من كسر المحرمات وكأنهم يقولون “مش بس بعاشر راجل، بل كمان بدون واقي!”، ولكن هذا منتشر أكثر في المجتمعات التي تتيح المعرفة الجنسية في المدارس والإعلام والفضاء العام أكثر من دول المنطقة.

4. الثقة بين الشريكين

في علاقات طويلة، يُنظر أحيانًا إلى ممارسة الجنس بدون واقٍ كعلامة على الثقة والتفاهم، خاصة إذا تم إجراء فحوصات دورية وتبادل المعلومات الصحية بصراحة.

5. التحول الطبي في الوقاية من فيروس نقص المناعة (HIV) ومرض الإيدز

منذ إدخال PrEP (الوقاية قبل التعرض من فيروس نقص المناعة) وانتشار مفهوم U=U (غير قابل للكشف = غير قابل للانتقال بالنسبة للمتعايشين مع الفيروس بعد تناول الأدوية بوقت)، أصبح كثيرون يرون أن الجنس بدون واقٍ أصبح أقل خطورة، خاصة من ناحية انتقال فيروس (HIV)، حيث يمكن أن يحمي (بريب PrEP) من فيروس (HIV) بنسبة تصل إلى 99% عند الاستخدام الصحيح، حسبما قالت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC).

“جيبهم جوا”: تعبير دارج أم ثقافة جنسية كاملة؟

في مجتمعات ناطقة بالعربية ومحافظة، يُستخدم مصطلح “جيبهم جوا” بشكل ساخر، أو مثير، أو حتى استعراضي، لكنه لا يخلو من دلالة واضحة على ممارسة الجنس بدون حاجز وقائي.

غالبًا ما يرتبط هذا التعبير بثقافة جنسية تحمل مزيجًا من غياب المعرفة، والجرأة، والتحدي، والرغبة في الشعور الكامل والامتلاك. لكنه أيضًا يعكس اختلالًا في التوازن بين اللذة والوعي الصحي، خاصة في ظل محدودية الثقافة الجنسية والوصمة حول الفحوصات الدورية وصعوبة وتكلفة الحصول على أدوية (بريب PrEP) للوقاية من فيروس نقص المناعة.

المخاطر الصحية للجنس بدون واقٍ

1. الإصابة بفيروس نقص المناعة (HIV)

الجنس الشرجي بدون واقٍ هو من أكثر الممارسات التي تحمل خطر انتقال فيروس نقص المناعة الوقاية قبل التعرض من فيروس نقص المناعة، خصوصًا عند الشريك المتلقي أو السالب (Bottom بوتوم)، بسبب رقة الأنسجة الشرجية وسهولة حدوث جروح صغيرة. 

بحسب Verywell Health (2025)، الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال شكّلوا 81% من حالات HIV في الولايات المتحدة عام 2021، ويرجع ذلك إلى قلة الحرص والاهتمام وغياب المعرفة بالممارسات الجنسية الآمنة.

2. الأمراض المنقولة جنسيًا الأخرى

حتى مع استخدام (بريب PrEP) للوقاية من فيروس نقص المناعة، لا يزال هناك خطر الإصابة بأمراض مثل السيلان، والزهري، والكلاميديا، وفيروس الورم الحليمي (HPV)، والهربس. بعضها لا يُظهر أعراضًا واضحة، ما يعني عدم علاجها في حالات عدم الفحص الدوري وإمكانية نقلها دون علم.

3. العدوى المشتركة بين المتعايشين مع فيروس نقص المناعة (HIV)

حتى بين الشركاء المتعايشين مع فيروس نقص المناعة (HIV)، قد تحدث “العدوى الفائقة” (Superinfection)، أي الإصابة بسلالة جديدة من فيروس نقص المناعة مقاومة للعلاج، وهو ما يتطلب متابعة طبية دقيقة.

كيف تمارس الجنس بدون واقٍ بأقل خطر ممكن؟

  1. الفحوصات المنتظمة: اجعل فحص العدوى والأمراض الجنسية (STI) وفيروس نقص المناعة (HIV) عادة شهرية أو كل 3 أشهر، خاصة إذا كنت نشطًا جنسيًا.
  2. تناول أدوية بريب واحتفظ بأدوية بيب: أدوية (بريب PrEP) للوقاية المسبقة من فيروس نقص المناعة و(بيب PEP) في حال التعرض المحتمل لفيروس نقص المناعة (كأن يُقطع الواقي الذكري أثناء الممارسة الجنسية مع شخص لا تعرف ما إذا كان متعايشًا مع فيروس نقص المناعة أم لا). تحدث مع طبيبك حول الخيار الأنسب لك، لأن هناك دائمًا تفاصيل مهمة لا يعرفها إلا الأطباء.
  3. تواصل واضح مع الشركاء: لا تفترض أن الطرف الآخر يعرف أو يوافق. تحدثوا عن الحالة الصحية، وأدوية بريب، والحدود.
  4. اختر نوع اللذة الآمن لك: لا بأس في قول “لا”. بعض الرجال يفضّلون الجنس بدون واقٍ، والبعض يضع الحماية والصحة أولًا — احمِ نفسك وكن صادقًا مع رغباتك وحدودك.

الخلاصة

الجنس بدون واقٍ، أو كما يُقال باللهجة الدارجة “جيبهم جوا”، أصبح واقعًا متزايدًا في ثقافة المثليين عالميًا وفي المنطقة. وبين الإغراء والمتعة والرغبة في القرب، توجد أيضًا مخاطر صحية يجب عدم تجاهلها. لا عيب في الرغبة، لكن الوعي، والوقاية، والفحص الدوري هم ما يحوّلون اللذة إلى تجربة صحية وآمنة.

شروط الاستخدام

محتوى أطياف مرخص برخصة المشاع الإبداعي. يسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر بواسطة رابط تشعبي، وعدم إجراء تغييرات على النص، وعدم استخدامه لأغراض تجارية.