خطف الممثل السويدي ألكسندر سكارسغارد الأنظار في مهرجان لندن السينمائي (BFI London Film Festival) بإطلالة جلدية جريئة وهو يروّج لفيلمه الجديد Pillion (بِليوِن)؛ دراما كويرية تتمحور حول علاقة هيمنة/خضوع (D/s) داخل ثقافة الرجال المثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية.
وفي مقابلة مع Variety، شرح سكارسغارد كيف صُوّرت المشاهد الحميمة بواقعية مقصودة بعيدًا عن “الجمال المصطنع”، لتصبح جزءًا من السرد لا فاصلاً عنه.
إطلالة تحمل رسالة
اختار سكارسغارد قميصًا أبيض من دون أكمام بلمسة “هالتر” وربطة عنق وسروالاً جلديًا ضيّقًا من توقيع Ludovic de Saint Sernin، في مثالٍ على “اللباس المرافق للدور (method dressing)” الذي يربط بين الشخصية وأسلوب العرض.

وقد وصفت وسائل الإعلام إطلالته بأنها كسر لهيمنة البدلة الرسمية على السجادة الحمراء وإشارة رمزية إلى عالم الفيلم وثقافته. كما لفت حضوره برفقة الكلبة “ماغي” (من فصيلة روتويلر وتشارك بدور في الفيلم) الأنظار، في لقطة جمعت بين القوة والعاطفة في صورة واحدة.

تمثيل من الداخل: إشراك المجتمع شرطٌ للمشاركة لا المحاكاة
قال سكارسغارد إنّ موافقته على الدور كانت مشروطة بإشراك أعضاء من نادي الرجال المثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية في المملكة المتحدة (GBMCC) أمام الكاميرا وخلفها.

وأضاف: “لو لم يكونوا جزءًا من المشروع، لرفضت. أمّا إذا كانوا موجودين… فأنا معكم”.
هذا القرار جعل التمثيل امتدادًا لتجربة حقيقية لا مجرد محاكاة سطحية. وقد وجّه سكارسغارد تحية لأعضاء النادي الذين حضروا العروض، مؤكدًا تقديره للدعم الذي لقيه الفيلم من داخل المجتمع الذي يصوّره.
كيف صُوّرت المشاهد الحميمة؟ الغرابة والارتباك جزء من الحقيقة
في حديثه إلى Variety، أوضح سكارسغارد أنّ مشاهد الجنس في Pillion لم تُصمَّم لإثارة المشاهد بقدر ما كانت وسيلة لسردٍ دراميّ يكشف تطوّر الشخصيات ومشاعرها المتناقضة.
وأشار إلى أنّ كثيرًا من الأفلام “تبلغ ذروتها قبل دخول السرير ثم تفقد توتّرها ما إن تبدأ المشاهد الحميمة”، بينما في Pillion كانت هذه اللحظات امتدادًا للتوتّر لا نهايته.

خلال مشهد عيد ميلاد كولين ومشهد العلاقة الجنسية الجماعية الذي تلاه، بحسب قوله، “كان المستوى العاطفي عاليًا. أردنا أن تكون اللقطات غريبة، وخرقاء، ومضحكة أحيانًا، مثل الحياة تمامًا.”
سكارسغارد شدّد على أنّ المخرج هاري لايتون تعامل مع القصة بشجاعة وصدق، “لم يرتدِ قفازات حريرية”، بل احتضن الارتباك كجزء من الحقيقة الإنسانية، وحرص على أن تكون المشاهد مكثّفة دراميًا دون أن تتحول إلى استعراض.
وأكد أنّ الفريق صوّر مشاهد أكثر جرأة مما عُرض على الشاشة، لكن المخرج “ضبط المستوى بدقة: لا نهرب لأنّ المشهد بين رجلين، ولا نصر على لقطات مبالغ فيها من أجل الإثارة ليس إلا”.

أما منسّق المشاهد الحميمة روبي تايلور هانت فقد ساهم في بناء البعد النفسي داخل تلك المشاهد، إذ لم يكن عمله مقتصرًا على ضمان الراحة الجسدية للممثلين، بل على خلق انسجامٍ دراميّ يجعل الجسد امتدادًا للسرد لا زينةً له.
ويختصر سكارسغارد رؤيته بعبارة طريفة قالها مازحًا: “أعتقد أنّ أمي ستحب هذا الفيلم، رغم أنه عن رجال مثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية وعلاقة هيمنة وخضوع، لأنه صُوِّر باحترام، ولكن دون مبالغة في الاحترام.”
شخصية “راي” والاشتغال على الغموض
يؤدّي سكارسغارد دور “راي” القائد المهيمن كشخصية غامضة تبقى كذلك حتى النهاية. يروي أنه تعمّد عدم وضع “خلفية جاهزة” للشخصية، وخشي من الوقوع في حبكاتٍ مستهلكة تفسد الغموض، لكن السيناريو تجنّب ذلك.

أما شريكه على الشاشة هاري ميلّينغ (كولين)، فالتقيا قبل يومين فقط من التصوير، وكان أول تمرينٍ بينهما مشهد مصارعة؛ طريقةٌ مباشرة لبناء الثقة الجسدية المطلوبة لعلاقة قائمة على الهيمنة والخضوع.
سكارسغارد: “لقد واعدت رجالًا ونساءً… لكن ميولي لا تحدد دوري في Pillion”
في تصريح صريح ونادر، تحدّث سكارسغارد خلال مهرجان زيورخ السينمائي عن حياته العاطفية وتجربته مع الجنسين، مؤكدًا أن ميوله لا تشكّل محور شخصيته أو معيار صدق أدائه. قال في حديثه مع Variety:
“لقد واعدت رجالًا ونساءً في حياتي، لكن هذا ليس مهمًا هنا. ما فعلته في الماضي لا يحدد ما أقدمه على الشاشة. ما كان يهمني هو أن أروي قصة عن ثقافة لم تُقدَّم من قبل بهذه الأصالة.”
ورفض سكارسغارد المقاربات التي تحصر أداء الأدوار الكويرية في ميول الممثلين، موضحًا أن التمثيل بالنسبة له “مساحة لفهم العوالم المختلفة بصدق وتعاطف، لا لإثبات هوية شخصية.”
وأشار إلى أنه استلهم شخصية “راي” من صور الرجال المثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية في السينما الكلاسيكية، لكنه حرص على تقديمها بعيدًا عن الصور النمطية التي ربطت هذا العالم بالعنف أو الانحراف. وقال:
“لطالما صُوّر هؤلاء الرجال في الأفلام كأنهم خطرون أو مرضى. في الحقيقة، هذا مجتمع يقوم على الثقة والموافقة الرضائية والاحترام. أردت أن أظهر هذا البعد الإنساني بدل أن أكرّر الصورة القديمة.”
استقبال دافئ من أهل الدار
يتذكّر سكارسغارد أوّل عرض للفيلم في مهرجان كانّ، حين قطع خمسة من أعضاء نادي الرجال المثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية في المملكة المتحدة الطريق بدراجاتهم من لندن إلى الريفييرا بفرنسا للاحتفال مع الفريق.
ثم أقيم حفلٌ مشترك مع فيلمٍ نيجيري، في لحظة رمزية إذا ما تذكّرنا أنّ المثلية ما زالت مجرّمة في نيجيريا.
امتزج الجلد والأقنعة مع الحضور الدبلوماسي الرسمي في مشهد “جميل ومعبر”، كما وصفه سكارسغارد، الذي اعترف بأن مشاهدة نفسه “عارياً بين الآلاف” لم تكن سهلة، لكن رؤية هؤلاء الرجال فخورين بما رأوه من أنفسهم على الشاشة جعلت التجربة “تستحقّ كل لحظة منها”.
رموز الجلد والدراجات والهيمنة: قراءة في خلفية الفيلم وثقافته
تنبع أهمية Pillion من جذوره في ثقافةٍ غنية وراسخة داخل المجتمعات المثلية الغربية تُعرف بثقافة الرجال المثليين راكبي الدراجات النارية ومرتدي الملابس الجلدية، والتي ارتبطت تاريخيًا بعوالم الـBDSM، أي الممارسات القائمة على الهيمنة والخضوع (Dom/Sub) وتعبيرات الرغبة المبنية على الثقة والموافقة الرضائية.
ظهرت هذه الثقافة في خمسينيات القرن الماضي بين قدامى المحاربين المثليين في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كوسيلة لتحرير الجسد الرجولي من القوالب الاجتماعية الصارمة وإعادة تعريف “الرجولة”.
كان ارتداء الجلد رمزًا للقوة والانضباط، ولإظهار الجاذبية دون أن يعني ذلك العنف، بل جمالًا جسديًا قائمًا على الاحترام والرغبة المشتركة والموافقة الرضائية.
ومع مرور الوقت، أصبحت الدراجات النارية والملابس الجلدية جزءًا من الرموز البصرية للمجتمع المثلي، ورسّخها الفنانون والمصورون مثل توم الفنلندي (Tom of Finland) الذين قدّموا صورة الرجل الجلدي كأيقونة للتحرر والجرأة الجنسية.

ومن هنا تطوّر مفهوم الفيتيش (fetish) في هذا السياق، لا كاضطراب أو شذوذ، بل كفضاء فني وحميمي لاستكشاف الذات والهوية واللذة بشكل آمن ومبني على الموافقة الرضائية.
في Pillion، تتحوّل هذه الرموز إلى أدوات سردية وإنسانية لا مجرد ديكور بصري. فالعلاقة بين “راي” و“كولين” تُقدَّم كحوارٍ بين الثقة والرغبة والموافقة الرضائية، وتعيد تعريف الحب والسلطة في إطارٍ مختلف عن النموذج الرومانسي التقليدي. الفيلم لا يتعامل مع الـBDSM كخروج عن المألوف، بل كوسيلةٍ للتعبير عن الحرية والتوازن بين القوة والحنان، وهو جوهر ما تسعى السينما الكويرية الحديثة إلى طرحه: الصدق الإنساني خلف المظهر الجريء.
مواعيد العرض؟
من المقرّر أن يُعرض Pillion في دور السينما البريطانية يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على أن يتبع ذلك طرحه في أسواق أخرى. حتى الآن، لم تُعلن تواريخ عرضه الرقمي رسمياً.
يجمع الفيلم بين صورةٍ جريئة على السجادة الحمراء وصدقٍ مربك أمام الكاميرا، مقدّمًا درسًا في تمثيل العلاقات الكويرية باحترام دون قداسةٍ تُفقدها حيويتها.
الفيلم عملٌ يفتح بابًا طال انتظاره لمناقشة الحميمية المثلية والكويرية خارج النموذج الرومانسي المألوف، ويعيد النظر في لغة السلطة والموافقة الرضائية واللذة بوصفها عناصر سردية تعبّر عن الإنسان، لا عن الصدمة.



